العولمة لم تمت.. طالتها بعض التغيرات فقط

جيليان تيت

أصدر سيرجيو إرموتي، رئيس بنك «يو بي إس»، الشهر الماضي تحذيراً قوياً على صفحات «فاينانشال تايمز»، حيث قال: «طوال سنواتي الخمسين تقريباً في مجال التمويل، كانت الأسواق في الغالب تعمل على افتراض أن رأس المال العالمي سوف يتدفق بسهولة متزايدة، وهو ما أسهم في تعزيز النمو والابتكار وتحسين مستويات المعيشة، ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية تنقلب الآن، فقد أدت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى انخفاض تدفقات السلع والخدمات والاستثمارات والعمالة».

من السهل أن نرى لماذا يشعر هو وغيره بالقلق، فالانتصار الانتخابي لدونالد ترامب يترك أمريكا في عهدة رجل يرى التعريفات «كلمة جميلة».

ومنذ أيام، أعلن لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، رئيس البرازيل، أن العولمة الليبرالية الجديدة قد فشلت. وحذرت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، من أننا نشهد تجزئة للاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة، في حين يركز أحدث تقرير عن التوقعات الاقتصادية العالمية الصادر عن صندوق النقد الدولي على مخاطر الحمائية.

ولكن هنا يكمن الشيء الغريب، بل والمذهل، فإذا نظرنا إلى البيانات بالفعل، نجد أن الخطاب لا يتطابق تماماً مع الواقع. صحيح أن أمريكا تهدد بأن تصبح أقل عالمية، كما أن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تضعف، لكن التدفقات بين البلدان الأخرى آخذة في الارتفاع. وما نشهده هو تحول إلى عالم متعدد الأقطاب، وليس بالضرورة نحو العولمة. والطريقة المعتادة التي يتتبع بها الساسة والناخبون هذا التحول هي من خلال النظر إلى التجارة. فعلى سبيل المثال، تتوقع بيانات منظمة التجارة العالمية أن يتسارع نمو التجارة العام المقبل إلى 3 %، مقارنة مع 2.7 % هذا العام، ومع ذلك، ربما يكون من الأفضل صياغة هذا في تحديث صدر أخيراً لدراسة أجرتها كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك ومجموعة الشحن «دي إتش إل» في شهر مارس.

وتقدم هذه السلسلة، التي تستخدم البيانات التي بدأت في عام 2001، صورة أكبر لأنها تغطي أربع فئات مختلفة من التدفقات العالمية، ليس فقط التجارة، بل أيضاً الأشخاص والمعلومات ورأس المال. وعلى غرار بيانات منظمة التجارة العالمية، تظهر سلسلة جامعة نيويورك أن التجارة العالمية الإجمالية في السلع والخدمات تظل قوية. ورغم انهيار تدفقات السكان أثناء الوباء، فقد انتعشت منذ ذلك الحين.

وما هو أكثر إثارة للاهتمام هو أن تدفقات المعلومات انفجرت بشكل كبير في العقدين الماضيين، وإن كان هذا قد توقف الآن بسبب انتشار الإنترنت وضوابط براءات الاختراع، لكن ماذا عن حركة الأموال؟ حسناً، كانت تدفقات رأس المال عند المستوى نفسه في أواخر عام 2023 كما كانت في عام 2008، وهي الذروة الأخيرة، وبالتالي فإن مؤشر الترابط العالمي الإجمالي، الذي يقيس النشاط الدولي مقابل النشاط المحلي عبر جميع الفئات، كانت نسبته نحو 25 % في عام 2023، وهذا هو المستوى نفسه تقريباً في عام 2022، وهو أيضاً أعلى مستوى على الإطلاق.

وهناك تحذيرات مختلفة. تنتهي هذه السلسلة في أواخر عام 2023، وبالتالي فإن هذا التحديث لا يلتقط (حتى الآن) التأثير الكامل لارتفاع الشعبوية والحمائية هذا العام. وقد تثير مشاركة شركة «دي إتش إل» سخرية من جانب المنتقدين المناهضين للعولمة، نظراً لأن هذه شركة لها مصلحة راسخة في هذه التدفقات.

وعلاوة على ذلك، حتى لو افترضنا أن هذا المسح مستقل تماماً، وهو ما يبدو عليه، فإن تتبع بيانات العولمة أمر بالغ الصعوبة إلى الحد الذي يمكن معه دائماً الطعن فيه (وهذا هو السبب في تخصيص جزء كبير من المسح لمنهجية ومصادر تسعة ملايين نقطة بيانات).

وأخيراً، لا تعكس كل أشكال العولمة تكاملاً جيداً أو حقيقياً. ومن بين العوامل التي تعزز المؤشرات، على سبيل المثال، الاستخدام المتزايد للملاذات الضريبية الخارجية، حسب ما لاحظ الخبير الاقتصادي براد سيتسر. ولكن حتى مع هذه التحذيرات، فإن النمط مثير للانتباه ويخالف البديهة في بعض الأحيان.

وكما قد تتوقع، تظهر البيانات أن التدفقات بين أمريكا والصين انخفضت منذ عام 2016، أو عندما أصبح ترامب رئيساً، بنحو الربع. ولكن ما هو أقل وضوحاً هو أن هاتين الدولتين ظلتا أكثر ترابطاً في أواخر عام 2023 من أي دولتين أخريين، باستثناء أمريكا والمملكة المتحدة. ثانياً: يبدو أن تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين والعقوبات الغربية على روسيا قد أدى إلى زيادة، وليس خفض التدفقات العالمية الإجمالية، حيث أعادت العديد من الشركات توجيه سلاسل التوريد الخاصة بها عبر بلدان وقنوات مختلفة.

ثالثاً: على عكس مخاوف لاغارد، لا تجد هذه السلسلة أي دليل على أن التجارة الإقليمية تنمو على حساب الروابط العالمية، باستثناء في أمريكا الشمالية، ففي عام 2022، بلغ متوسط طول سلاسل التوريد 5000 كيلومتر، وهو رقم قياسي، ويبدو أنها وصلت إلى ذروة جديدة خلال بداية عام 2024. ورابعاً: تحاول مجموعة بارزة من البلدان البقاء غير منحازة، بدلاً من الانغلاق بشكل صارم في أي كتلة جيوسياسية، وهي تتاجر مع بعضها البعض ومع مجموعة واسعة من الشركاء.

ويشير تقرير مارس إلى أن الاقتصاد العالمي أصبح متعدد الأقطاب بشكل متزايد، والتعددية القطبية اليوم يمكن أن تدعم العولمة. وقد يتغير هذا إذا تدهورت الجغرافيا السياسية، لكن النقطة الأساسية هي ببساطة أن ما يحدث بعد ذلك للعولمة لا يعتمد على ترامب وحده. لقد تدخلت دول أخرى لسد الفجوة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، الصين. وأمريكا اللاتينية هي مثال على ذلك، وهكذا يتعين على وزير الخزانة الأمريكي القادم أن ينتبه، خاصة بالنظر إلى ديون الدولار البالغة 9 تريليونات دولار، التي ستحتاج إلى بيعها للمستثمرين في جميع أنحاء العالم.