لماذا لا تبالي الأسواق بتوقف «الفيدرالي» عن خفض أسعار الفائدة؟

روبرت أرمسترونغ ـ هاكيونغ كيم

لم يُحدث اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأخير، والذي قرر خلاله تثبيت الفائدة عند نفس مستوياتها ما بين 3.5 و3.75%، تأثيراً كبيراً على الأسواق. فقد ارتفعت أسعار الفائدة قصيرة الأجل بشكل طفيف في البداية، ثم انخفضت مجدداً. وارتفع الدولار قليلاً. ولم تتأثر الأسهم بذلك.

لكن الأمر ليس كما لو أن شيئاً لم يتغير. فقد أوضح الاحتياطي الفيدرالي جلياً أنه يعدل سياسته النقدية. وبعد أن كان يتطلع إلى التيسير النقدي، أصبح الآن راضياً عن الوضع الراهن، ريثما تتوفر معلومات إضافية.

وكان هذا التحول واضحاً في البيان الصحفي. فقد ذكر بيان ديسمبر أن «النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة معتدلة». أما البيان الأخير فقد أصبح: «النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة ثابتة».

وبالمثل، استُبدلت عبارة «ارتفاع طفيف في معدل البطالة» بعبارة «أظهر معدل البطالة بعض علامات الاستقرار». كما تم التخلي تماماً عن الحديث عن «تحول ميزان المخاطر» - نحو البطالة وابتعاداً عن التضخم.

وقد أكد المؤتمر الصحفي الذي عقده جيروم باول هذه النقطة. فقد قال رئيس البنك المركزي: «أعتقد، وزملائي أيضاً، أنه من الصعب النظر إلى البيانات الواردة والتوصل إلى استنتاج مفاده أن السياسة النقدية تقييدية بشكلٍ فعال».

وإذا لم يطرأ أي تغيير، فستبقى أسعار الفائدة على حالها. ولم تتأثر الرسالة بالتصويتين المعارضين، أحدهما (ستيفن ميران الممثل الفعلي للرئيس ترامب في اللجنة) والآخر (كريستوفر والر المرشح لخلافة باول والذي كان سيُقصي نفسه من المنافسة لو وافق على رأي الأغلبية).

وفي تلخيص موجز لهذا التحول، قال دون ريسميلر من شركة «استراتيجاس»: يبدو أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية ستُحول «التوقف المؤقت» في يناير إلى «توقف أطول».

لكن لماذا هذه اللامبالاة في السوق إذن؟ لأن قوة الاقتصاد لم تترك للاحتياطي الفيدرالي خياراً آخر، وقد أدركت الأسواق ذلك. وقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة بنسبة 4.4% في الربع الثالث، ويبدو من غير المرجح أن يتباطأ في الربع الرابع. والاستهلاك قوي، وكذلك أرباح الشركات، والأسواق في ذروة نشاطها.

وقد تجاوز التضخم النسبة المستهدفة بنقطة مئوية واحدة، لكننا تجاوزنا للتو أزمة تضخمية تاريخية. ومن غير المعقول أن يُشير البنك المركزي إلى السوق بأنه قد لا يزال في وضع خفض أسعار الفائدة.

إن محاولات الرئيس دونالد ترامب، والتي تلحق الضرر به نفسه، لترهيب الاحتياطي الفيدرالي، لم تؤد إلا إلى ترسيخ هذا التحول في الموقف. وقد أجبر هذا الترهيب اللجنة على الاهتمام أكثر بمصداقيتها في مكافحة التضخم. وفيما يتعلق بحملة الترهيب.

فقد رفض باول التعليق، باستثناء نقطة واحدة. فعندما سئل عن سبب حضوره جلسات المحكمة العليا بشأن حق الرئيس في إقالة ليزا كوك، المحافظ بالاحتياطي الفيدرالي، قال باول إنه كان من الغريب ألا يحضر الجلسات، نظراً لأنها أهم قضية قانونية في تاريخ البنك المركزي. وهو محق تماماً.

وهذا أمر لافت للنظر بشكلٍ مضاعف، لأنه يحدث في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأمريكي نمواً قوياً للغاية مقارنة ببقية العالم، وهو ما يفترض أن يدعم العملة في ظل الظروف الراهنة. ويحدث هذا في وقت يتقلص فيه الفارق بين أسعار الفائدة الأمريكية وبقية دول العالم، وهو ما تشير الكتب الاقتصادية إلى أنه من المفترض أن يعزز الدولار.

ويقول جوناس غولترمان من «كابيتال إيكونوميكس»، في ما يتعلق بمؤشر الدولار مقابل فجوة العائد بين سندات الخزانة الأمريكية لأجل خمس سنوات وعوائد سلة من السندات السيادية للدول المتقدمة، إن مثل هذه الفجوات مؤشر جيد على أن ضعف العملة يعكس سياسة الدولة، وليس اقتصادها.

وبينما لا يزال المستثمرون العالميون حريصين على شراء الأصول الأمريكية ـ في ظل توفير سندات الخزانة الأمريكية عوائد جيدة وسيولة لا مثيل لها، ولكون الشركات الأمريكية الأفضل في العالم - فإنهم يرغبون في التحوط من مخاطر العملة الناجمة عن نهج ترامب المتقلب في السياسة الاقتصادية. وعندما يقوم المتداولون بالتحوط من الدولار في سوق العقود الآجلة، فإن ذلك يدفع العملة إلى الانخفاض.

وبعد التهديدات بفرض تعريفات جمركية على غرينلاند ثم التراجع عنها، أبدت وزارة الخزانة قلقها إزاء ضعف الين من خلال «مراجعة سعر الصرف»؛ فيما تم التأكيد على أن ضعف الدولار لا يمثل مشكلة؛ وقال وزير الخزانة، رغم كل الأدلة والمنطق، إن الولايات المتحدة لا تزال تتبنى سياسة الدولار القوي.

وربما كان الهدف من «مراجعة سعر الصرف» - وهي في جوهرها استفسار شكلي حول تكلفة التدخل في سوق الدولار/ الين - تذكير حليف سياسي للولايات المتحدة، رئيسة الوزراء اليابانية سانا تاكايتشي، بأن الولايات المتحدة صديق مفيد، وأن على طوكيو الوفاء بالتزاماتها بالاستثمار في الولايات المتحدة. لكن السوق ربما فسرت ذلك على أنه تعبير عن مخاوف الإدارة من أن ارتفاع عوائد السندات اليابانية السريع قد ينتقل إلى سوق الخزانة.

ويشير كارثيك سانكاران من معهد كوينسي للحكم الرشيد، إلى أن الصراع المستمر بين الإدارة والاحتياطي الفيدرالي يمثل تهديداً أكبر لاستقرار الدولار من أي مغامرة جمركية أو تدخل في السوق.

يشير إد الحسيني من شركة «كولومبيا ثريدنيدل» وخبير أسعار الفائدة، إلى أن كل هذه التصرفات تُشعل حلقة مفرغة. فهي تضعف الدولار، مما يشجع مالكي الأصول الأمريكية على التحوط ضد مخاطر الدولار، وهذا التحوط يضعف الدولار أكثر؛ مما يشجع على المزيد من التحوط، وهكذا دواليك.

وينبغي عدم الخلط بين هذا الأمر والتخلي عن الدولار، ولا حتى بينه وبين بيع الأصول الأمريكية، إنما هو مجرد اعتراف ضمني من مالكي الأصول حول العالم بأن التعرض للدولار، الذي كان في السابق ميزة إضافية تضاف إلى مشتريات الأصول الأمريكية، أصبح الآن خطراً يجب التأمين ضده بتكلفة.