هل تتحول الشركات الدوائية قريباً إلى الأقراص العلاجية الذكية؟

أنجانا أهوجا
يُعد التزام المرضى بالاستمرار في تناول أدويتهم أمراً بالغ الأهمية، لأن ذلك يفيد المريض كثيراً، فعدم الالتزام يسهم بنحو 125.000 حالة وفاة يمكن الوقاية منها سنوياً في الولايات المتحدة، العديد منها ناتج عن أمراض يمكن السيطرة عليها مثل فيروس نقص المناعة البشرية والسكري من النوع الثاني، بالإضافة إلى ما لا يقل عن 100 مليار دولار من تكاليف الرعاية الصحية. 

ثانياً، تؤثر حالات الإهمال الشخصية على الصحة العامة: فقد ظهرت سلالات مقاومة للأدوية من مرض السل بعد انتهاء دورات العلاج غير المكتملة.

الآن، يقول علماء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إنهم على بعد خطوة واحدة من حل هذه المشكلة، وذلك من خلال ابتكار قرص علاجي تجريبي يرسل إشارة لاسلكية تفيد بابتلاعه. يتم رصد الإشارة محلياً ثم إرسالها إلى الطاقم الطبي، وفي حال عدم وجود إشارة، يتم إرسال تذكير أو تنبيه للمريض.

ورغم الحديث عن هذه الحبوب الذكية سابقاً، فإن القفزة النوعية التي يتم الترويج لها تكمن في أجهزة إلكترونية تختفي بعد تناولها، فحبة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذكية قابلة للامتصاص الحيوي، ما يعني أنها تتحلل داخل الجسم.

وفيما نرحب بمثل هذه الابتكارات التي تستهدف تسهيل الحفاظ على الصحة، علينا أيضاً إدراك التحول الدقيق الذي يحدث عندما تصبح الحبوب وسيلة للتواصل إلى جانب كونها أدوية.

وهنا يشير ريتشارد آش كروفت، أخصائي الأخلاقيات الحيوية في جامعة سيتي سانت جورج بلندن، إلى أن هذه العلاجات الرقمية «تعزز فكرة أن عدم الالتزام بالعلاج هو خطأ المريض وليس خطأ فريق الرعاية الصحية أو سلسلة التوريد أو الدواء نفسه»، مضيفاً أن هذا لا ينبغي أن يغني عن الرعاية الطبية البشرية.

كما تثير الحبوب الذكية قضايا واضحة تتعلق بالخصوصية والاستقلالية، وهو ما يقر به باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أنفسهم، نظراً لإمكانية تسريب معلومات طبية حساسة إلى جهات خارجية.

وتتكون الحبة التجريبية، التي تم استخدامها حتى الآن مع الحيوانات فقط ونشرت النتائج في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» هذا الشهر، من كبسولة تحتوي على هوائي تردد راديوي من الزنك مغلف بالسليلوز، وهو بوليمر نباتي طبيعي.

وتتكون الطبقة الخارجية للكبسولة من الجيلاتين والسليلوز. ويؤدي ابتلاع الحبة إلى ذوبان الغلاف، مما يحرر الهوائي.

ويفعل ذلك بدوره علامة ترددات لاسلكية، تسجل وقت الابتلاع ليتمكن جهاز قراءة قريب، مثل لاصقة قابلة للارتداء، من التقاط هذه المعلومة وإرسالها.

وأظهرت الدراسات الأولية أن العلامة تفعل في غضون ساعة من وصولها إلى الأمعاء. وقد تحللت جميع المكونات في الجسم خلال 24 ساعة باستثناء علامة تحديد الهوية بترددات الراديو متناهية الصغر، والتي يفترض أن الجسم يتخلص منها مع الفضلات.

وقال جيوفاني ترافيرسو، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي والمؤلف المشارك في الدراسة، إن هذا النظام القابل للتحلل يتجاوز المخاوف المتعلقة بسلامة الحبوب الرقمية المستخدمة بالفعل، حيث لا تترك أي بطاريات أو مكونات إلكترونية في الجسم.

وستكون هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لإثبات فعالية هذه الحبوب على المدى الطويل لدى البشر. ويتلقى المشروع تمويلاً من وكالة مشاريع البحوث المتقدمة في مجال الصحة (Arpa-H) وشركة الأدوية نوفو نورديسك.

وأوضح ترافيرسو أن إثبات المفهوم يستهدف حالياً الحالات التي تنطوي فيها الجرعات الفائتة على مخاطر كبيرة، مثل: الأمراض العصبية والنفسية، والسل، وفيروس نقص المناعة البشرية، وكبت المناعة لدى مرضى زراعة الأعضاء لمنع رفض الأعضاء، وبعض حالات السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية.

إلا أن النظام قابل للخداع إذا تمت إذابة الكبسولة خارج المعدة، لذا يتطلب استخدامه توخي الحذر من النتائج الكاذبة.

وهناك عوائق أخرى أمام التوسع في استخدامه، منها: الجدوى، والتكلفة، ومستوى التصغير، والموافقات التنظيمية.

ويقر ترافيرسو بأن هذه التقنية «تثير مخاوف مشروعة بشأن الخصوصية والموافقة والاستقلالية. ونحن نرى أن الإشراف الأخلاقي والتواصل مع المرضى وعلماء الأخلاقيات خطوات أساسية في التطبيق السريري».

لكن لماذا يجد البعض صعوبة في تناول أدويتهم بانتظام؟ حددت الجمعية الطبية الأمريكية أسباباً عديدة: الخوف من الآثار الجانبية، والقلق بشأن التكلفة، وعدم فهم ضرورة تناول العلاج، خاصةً للأمراض المزمنة بدلاً من الحادة، والشعور بعدم ظهور أعراض، والارتباك عند تناول أدوية متعددة، والشك في الأطباء أو الأدوية أو شركات الأدوية، والمخاوف من الإدمان، والاكتئاب.

لا يعني أي من ذلك أن الطريق مسدود أمام الأدوية الرقمية؛ بل إنها قد تقدم رؤى قيمة حول سلوك المرضى الحقيقي. لكن تبقى للحسابات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أهمية بالغة هي الأخرى.