في البحث عن أسباب تبرر الارتفاع الجنوني لأسعار الذهب

روبرت أرمسترونج
لا أستطيع حتى الآن فهم المبررات الأكثر شيوعاً لتقلبات أسعار الذهب الحادة: فكرة أن انخفاض قيمة الأصول المالية أو ازدياد حالة عدم اليقين السياسي يجعلان الذهب أداة تنويع أو تحوط لا غنى عنها. 

وتكمن مشكلة حجة انخفاض القيمة في أنه لو كان هناك خطر متزايد لانهيار الدولار أو ارتفاع التضخم، لكان من المتوقع أن يظهر ذلك في أسواق العملات أو أسواق الدخل الثابت، لكن هذا لم يظهر على الإطلاق.

ويثور الجدل حول ضعف الدولار، لكن بالنظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أنه لم يطرأ أي تغيير على النمط التاريخي. كما لا توجد أي مؤشرات على مخاوف التضخم على المدى الطويل في المؤشرات السوقية.

كذلك، سيجادل البعض بأن البنوك المركزية العالمية تُحوّل احتياطياتها من الدولار إلى الذهب، وأن هذا يُعدّ مؤشراً أفضل لانخفاض القيمة من سوق السندات. حسناً، علينا أن ندرك أن البنوك المركزية خفضت مشترياتها من الذهب بأكثر من الثلث بين عامي 2024 و2025، وفقاً لمجلس الذهب العالمي، لتعود مشترياتها إلى النطاق الطبيعي تاريخياً.

ويمكن اعتبار المستثمرين العاديين الذين يشترون أسهم صناديق المؤشرات المتداولة للذهب (ETFs) مصدراً أفضل للبحث عن مشترين إضافيين.

أما من الناحية السياسية، فمن الصحيح أن الذهب لطالما ارتبط، ولو بشكل غير مباشر، بالاضطرابات السياسية. وهذا الأمر أكثر إقناعاً بكثير من جانب انخفاض قيمة الذهب في هذا النقاش. فالذهب لا يتأثر بالتضخم، بل بالخوف.

ويتضح ذلك من خلال حقيقة أن الذهب غالباً ما يتخلف عن معدل التضخم لفترات طويلة، ولكنه يتفوق عليه باستمرار في أسوأ لحظات الأسواق.

لكن هل العالم حقاً أكثر رعباً اليوم مما كان عليه، على سبيل المثال، في السنوات التي تلت أحداث 11 سبتمبر 2001؟ إنه سؤال نسبي، لكن من المهم تذكر أنه في العامين التاليين لهجمات 11 سبتمبر، ارتفع سعر الذهب بنسبة 28%. وفي العامين الماضيين، ارتفع سعر الذهب بنسبة 145 %.

ومما يزيد الأمر سوءاً بالنسبة للمستثمرين، أن سعر الذهب لم يشهد سوى قفزتين مماثلتين لقفزة اليوم خلال الخمسين عاماً الماضية، في عامي 1979 - 1980 وفي عامي 2011 - 2012. وبالنظر إلى الماضي، كانت كلتاهما فقاعتين واضحتين وأوقاتاً كارثية لشراء الذهب. وما يجعل الوضع الحالي يبدو أكثر اقتراباً من الفقاعة هو بروز الفضة، وهي أصل له تاريخ أسوأ بكثير في ما يتعلق الفقاعات والانهيارات.

كل ذلك يُشير إلى ضعف كبير في قراءة السوق الأساسية لارتفاع أسعار الذهب، ولكن، كما ذكرنا سابقاً، فإن سعر الذهب يُشير إلى أننا قد نغفل شيئاً ما، فما هو يا تُرى؟ يرى جيمس أثي من مجموعة مارلبورو بأن التباين بين سعر الذهب وأسواق السندات والعملات ناتج عن تخدير الحكومة لهذه الأسواق. ويقول في هذا السياق:

«عوائد السندات مُكبّلة! وعلى الرغم من انتهاء برنامج التيسير الكمي، إلا أن عوائد السندات لا تزال أقل بكثير مما ستكون عليه في عالم افتراضي خالٍ من البنوك المركزية (لا تزال ميزانيات الاحتياطي الفيدرالي، وبنك اليابان، وبنك إنجلترا، والبنك الوطني السويسري ضخمة).

وهذه الحقيقة هي على الأرجح السبب الرئيسي لهذا التباين الظاهر - فالإجراءات التي اتخذتها السلطات (المالية والنقدية) لمنع ارتفاع عوائد السندات بشكل مطرد هي في الواقع أسباب لبيع هذه العملات نفسها.

وفي عالمٍ تتنافس فيه جميع السلطات العالمية على الاستراتيجية نفسها، يصعب تحقيق الربح في سوق العملات الأجنبية؛ فبيع العملات الرديئة لشراء العملات الجيدة يُنتج قائمة طويلة جداً من العملات الرديئة وقائمة قصيرة جداً من العملات الجيدة، كما أن التقلبات الدورية تجعل الاحتفاظ بالعديد من الصفقات أمراً صعباً. الذهب هو الرابح بلا منازع في مثل هذه اللعبة».

وهناك طريقة أخرى للنظر إلى حجة المخاطر السياسية أيضاً، فعند النظر إلى بيانات سعر الذهب وقيمة مؤشر ستاندرد آند بورز 500، يمكن ملاحظة أنه بالمقارنة مع أهم فئة من الأصول عالية المخاطر في العالم - أسهم الشركات الأمريكية الكبرى - لا يبدو الذهب باهظ الثمن على الإطلاق تاريخياً. ويمكن، استناداً إلى هذه البيانات، أن نروي قصةً تشرح السبب وراء إمكانية ارتفاع سعر الذهب أكثر من الآن فصاعداً.

وتتلخص القصة فيما يلي: في سبعينيات القرن الماضي، أدركنا جميعاً أن العالم مكانٌ قاسٍ، حيث لا يمكنك أن تثق ثقةً مطلقةً، على سبيل المثال، بورقةٍ من شركةٍ تعدك بالمشاركة في أرباحها المستقبلية. وأنت بحاجةٍ إلى شيءٍ قابلٍ للتحويل في أي مكان، شيءٍ يمكنك الاحتفاظ به والفرار به.

ومنذ ذلك الحين، مررنا بفترةٍ طويلةٍ من التفاؤل غير المستدام، حيث فضّل معظمنا الوعود المكتوبة على الأوراق الصغيرة على الذهب نفسه، لكن هذا التفاؤل انقطع لفترةٍ وجيزةٍ بسبب أحداث 11 سبتمبر والأزمة المالية العالمية. أما الآن فنحن ندرك أن أحداثاً كهذه ليست استثناءً، بل هي القاعدة، ولذا، يعود الذهب إلى سابق عهده.

باختصار: لتبرير الارتفاع الجنوني لأسعار الذهب، عليك أن تعتقد أن سوق السندات يخدعك، أو أن العالم أصبح أسوأ بكثير مما كان عليه في الخمسين عاماً الماضية، أو كليهما.