روبن هاردينغ
على مدار شهر أو أكثر، بقيت معدلات الفائدة لليلة واحدة في هونغ كونغ عالقة عند مستويات قريبة من الصفر. وقد لا يبدو هذا غريباً للوهلة الأولى، وخاصةً بعد أن اعتدنا الفوائد المنخفضة للغاية خلال العقود الأخيرة. لكن في الحقيقة، هذه ظاهرة غير مألوفة، ومفاجئة، بل ومثيرة للقلق بشكل كبير.
ويعكس هذا الانخفاض سلسلة من التحولات، بدءاً من تراجع اهتمام المستثمرين الآسيويين بالأصول الأمريكية، مروراً بالانتعاش المحدود في أسواق رأس المال في هونغ كونغ، وصولاً إلى ظهور حدود مفاجئة لقدرة البنوك وصناديق التحوط على تحمل المخاطر.
صحيح أن تقلبات دونالد ترامب في السياسات التجارية لم تؤدِ بعد إلى انهيار الأسواق المالية العالمية، لكن ما يجري حالياً في هونغ كونغ يكشف بوضوح حجم الضغوط التي باتت هذه الأسواق تتعرض لها. وما يجعل من معدلات الفائدة الصفرية في هونغ كونغ أمراً غريباً هو ارتباط عملتها بالدولار الأمريكي. وهذا الربط يفتح المجال أمام فرصة مراجحة سهلة، حيث يمكن للمستثمرين الاقتراض في هونغ كونغ بمعدل يقارب صفراً في المائة، ثم تحويل تلك الأموال إلى الدولار والاستفادة من معدلات الفائدة الأمريكية التي تتجاوز حالياً 4%.
وتعد هذه عوائد ضخمة في عالم المراجحة، فمع وجود ربط ثابت بين العملتين، يُفترض أن تكون المخاطر محدودة جداً. ورغم ذلك، استمر هذا التباين لأكثر من شهر. ففي كل مساء عند الساعة السابعة، تعلن هيئة النقد في هونغ كونغ عن معدل الفائدة لليلة واحدة، وقد بلغ المعدل يوم الجمعة مجدداً 0.01%.
وكما هي الحال في كثير من أحداث الأسواق المالية، فإن «رفرفة جناح فراشة» في مكان آخر كانت كفيلة بإطلاق هذه السلسلة من التطورات، وفي هذه الحالة، جاءت الشرارة من الجهة الأخرى لمضيق تايوان. ففي الثاني من مايو، شهد الدولار التايواني ارتفاعاً مفاجئاً على خلفية تكهنات في الأسواق بأن اتفاقاً تجارياً محتملاً مع ترامب قد يتضمن بنوداً تُجبر تايبيه على تقوية عملتها. وعلى نحو غير متوقع، لم يتدخل البنك المركزي التايواني لإيقاف هذا الارتفاع، الذي واصل مساره في الأيام التالية.
ووفقاً لمتداولين في السوق، فوجئت عدة صناديق تحوط بالتحركات الأخيرة. وعندما وصل المتداولون في لندن إلى مكاتبهم صباح م الجمعة، سارعوا إلى شراء سلة من العملات الآسيوية، بما في ذلك البات التايلاندي، والرينغيت الماليزي، والون الكوري، والدولار الهونغ كونغي.
ونظراً لأن عملة هونغ كونغ كانت أصلاً قوية، جزئياً بسبب تدفقات رؤوس الأموال التي سبقت الطرح العام الأولي لشركة «كاتل» أكبر شركة بطاريات في العالم، إلى جانب طروح أخرى شجعتها بكين في الإقليم - فقد أدى الطلب المفاجئ إلى دفع سعر الصرف نحو الحد الأعلى من نطاق تداوله عند 7.75 دولارات هونغ كونغ مقابل الدولار الأمريكي.
ويحافظ نظام الربط النقدي في هونغ كونغ على تداول العملة ضمن نطاق ضيق يتراوح بين 7.75 و7.85 دولارات هونغ كونغ للدولار الأمريكي. وعندما بلغ السعر الحد الأعلى للنطاق، تدخلت سلطة النقد في هونغ كونغ وباعت المزيد من دولارات هونغ كونغ، ما ضخ سيولة إضافية في النظام النقدي المحلي، وأدى إلى هبوط معدلات الفائدة إلى الصفر. وهكذا، فقد تسببت تهديدات ترامب التجارية تجاه تايوان في التأثير على «سعر المال» في هونغ كونغ. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا استمر هذا الوضع؟
إن ثمة عوامل تقنية تلعب دوراً في هذا الصدد. فإضافة إلى موجة من الطروح الأولية في هونغ كونغ، نحن في موسم توزيع الأرباح، وتقوم شركات مدرجة في بورصة هونغ كونغ ومقرها في البر الرئيسي الصيني بتحويل أموال لتسديد تلك الأرباح. ومن المفترض أن يتراجع الطلب على السيولة بعملة هونغ كونغ مع نهاية الشهر.
ومع ذلك، فإن الأكثر إثارة للقلق هو أن استمرار تداولات المراجحة يشير إلى حدود بقدرة السوق على استغلالها. ولم تكن صفقة الدولار التايواني الأولى التي تفشل هذا العام؛ فقد تعثرت مجموعة متنوعة مما يسمى بصفقات «تبادل الأساس» في أبريل، تزامناً مع «يوم التحرير» الذي أعلنه ترامب.
ومع اتباع الرئيس الأمريكي نهجاً متقلباً وغير قابل للتنبؤ في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، فقد أصبحت تقلبات أسعار الصرف عالية بوجه عام، وفرضت إدارات المخاطر قيوداً صارمة على المتداولين. كما أن الهيكلية الحديثة لصناديق التحوط، التي تتوزع على عدد من «الوحدات الصغيرة» من المتداولين تخضع لإدارة مركزية للمخاطر، قد تزيد من سرعة تقليص الانكشافات عندما تتدهور الظروف.
كل ذلك يشير إلى أن الأسواق تملك قدرة محدودة على امتصاص الصدمات، في وقت تتعرض فيه لعدد متزايد منها. وهو ما يزيد من خطر وقوع تحركات حادة ومتزامنة في أسعار الأصول المالية كرد فعل على الأخبار - أو حتى على الشائعات - المتعلقة بالمفاوضات التجارية. كما أن هناك مؤشراً أعمق يلوح في الأفق وهو أن الرغبة المتزايدة في حيازة دولار هونغ كونغ وغيره من العملات الآسيوية تعكس تزايد القلق تجاه الأوضاع في الأسواق المالية الأمريكية.
هذا التوتر، في الوقت الحالي، لا يتجاوز حدود القلق – ويتبدى من خلال التردد في ضخ أموال جديدة في الأسواق - لكنه، بعد عقود من الشهية التي لا تعرف الإشباع تجاه الأصول المالية الأمريكية، يُعد مؤشراً لافتاً بحد ذاته.
فمثلاً، المادة 899 المقترحة ضمن مشروع قانون الضرائب الذي قدمه ترامب، تُمثل «سكيناً على رقاب» المستثمرين الدوليين، إذ تهدد بفرض زيادات ضريبية على الاستثمارات الأجنبية. ورغم أن تطبيق هذه المادة قد يُلحق أضراراً جسيمة بالأسواق الأمريكية إلى حد يجعل من المرجح ألا يتم تنفيذها، حتى لو أُقرت، إلا أن التهديد المتكرر في حد ذاته يترك أثره؛ إذ لا يمكنك الاستمرار في تهديد الناس من دون أن يبدؤوا بأخذك على محمل الجد.
في غضون ذلك، تنعم هونغ كونغ بمرحلة مؤقتة من معدلات الفائدة المنخفضة. لكن من غير المرجح أن تدوم طويلاً؛ حيث بدأ المتداولون استغلال الفُرصة، وتراجع سعر صرف العملة نحو الحد الأضعف من نطاقها. وقريباً، يُرجح أن تضطر سلطة النقد في هونغ كونغ إلى شراء العملة المحلية من السوق، ما سيؤدي إلى امتصاص السيولة ورفع معدلات الفائدة مجدداً.
نعم، سيعود كل شيء إلى طبيعته، لكن الأوضاع لن تكون على ما يُرام. كما أن هذه الحادثة البسيطة تكشف عن هشاشة مقلقة. ورغم أن الأسواق قد تبدو كأنها تتعامل مع اضطرابات ترامب بكل هدوء، فإن استمرار اختلال مماثل لأكثر من شهر يُعد إشارة تحذيرية. لذلك، علينا أن نراقب الأوضاع جيداً، فالأسوأ ربما لم يأتِ بعد.
