بيليتا كلارك
على مدى 30 عاماً من مؤتمرات المناخ التابعة للأمم المتحدة (كوب)، غالباً ما كانت الدعوات لفرض ضرائب عالمية على انبعاثات الشحن والطيران تُعتبر بعيدة المنال.
ولكن في مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين (كوب29) الذي عُقد في باكو، فقد تغيرت الأمور، فلم يعد الأمر مقتصراً على نشطاء البيئة، بل تدعم الحكومات أيضاً ما يسمى بـ«الضرائب التضامنية» لسد الفجوة المالية الهائلة التي تعيق الجهود الرامية لتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ لعام 2015.
وتضم مجموعة الدول الداعمة لهذه الرسوم كلاً من فرنسا وإسبانيا وكينيا وغيرها، وهي مجموعة صغيرة لكنها آخذة في النمو. وتعمل هذه الدول منذ العام الماضي مع فريق عمل من خبراء من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتقييم أي من الرسوم التي قد تكون الأكثر فعالية في أي منطقة.
ويأتي فرض ضرائب على الشحن البحري والطيران وإنتاج الوقود الأحفوري والمعاملات المالية في محور دائرة الاهتمام، ولم يتم استبعاد إمكانية فرض رسوم على تداولات العملات الرقمية، ومنتجي البلاستيك، وأصحاب المليارات.
ويهدف هذا الجهد إلى تقليص القائمة إلى عدد قليل من الخيارات الملموسة التي ستكون الدول المستعدة للموافقة عليها جاهزة لاعتمادها بحلول نوفمبر من العام المقبل، عندما تستضيف البرازيل مؤتمر (كوب30). لذلك، يجب أن تكون الخيارات المختارة قابلة للتنفيذ سياسياً وتقنياً، وعادلة، وقادرة على جمع ما لا يقل عن 100 مليار دولار سنوياً.
ويتميز هذا الجهد عن المحاولات السابقة بمشاركة الحكومات فيه وعمق التحليل الذي يُجرى، كما أن الدافع الرئيسي وراء هذه الخطوة هو المال.
إن فشل العالم في الحد بشكل حاد من انبعاثات الكربون يعني أن استثمارات المناخ العالمية ستحتاج إلى ما يصل إلى 6.7 تريليونات دولار سنوياً بحلول عام 2030، وفقاً لما شدد عليه الاقتصاديون في باكو الأسبوع الماضي.
وستحتاج البلدان النامية والناشئة خارج الصين ما لا يقل عن 2.3 تريليون دولار من هذه الأموال، ومن المتوقع أن يأتي نحو تريليون دولار من خارج تلك الدول.
وتُفسر هذه الأرقام سبب تعقد المفاوضات في باكو، فهذه هي أول قمة كوب يتم خلالها التفاوض على بدائل للمبلغ الذي وعدت الدول الغنية بتوجيهه إلى الدول الفقيرة، والذي كان يبلغ 100 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2020، وهو الوعد الذي قطعته هذه الدول في عام 2009.
وتحويل تلك المليارات إلى تريليونات في وقت يشهد تصاعداً في التوترات الجيوسياسية وفي ظل إدارة ترامب في الولايات المتحدة، يعني أن المفاوضين في باكو مطالبون بالتركيز على كل مصدر ممكن للأموال، لا سيما الضرائب المستدامة على الصناعات الكبرى الملوثة.
واكتسب هذا النقاش زخماً كبيراً بعد قرار بارز اتخذته صناعة الشحن الدولية العام الماضي لفرض سعر على انبعاثاتها. ومن المقرر أن يتم الانتهاء من تحديد الشكل الدقيق لنظام التسعير الذي تم الاتفاق عليه في المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة خلال العام المقبل.
لكن المراقبين المخضرمين للمنظمة ومنهم البروفيسور تريستان سميث من كلية لندن الجامعية، يقولون إن نمط التصويت حتى الآن يشير إلى أن النظام مرجح له أن يأخذ شكل فرض ضريبة على كل طن من الكربون المنبعث، وقد تولّد هذه الضريبة النسبية المرتفعة أكثر من 100 مليار دولار سنوياً.
وليس من الواضح ما إذا كانت هذه الأموال ستذهب بالفعل إلى الدول التي تحتاج إلى المساعدة لمواجهة تغير المناخ، ذلك أن بعض الدول تقول إنه يجب أن تذهب إلى صناعة الشحن لمساعدتها في تحقيق خفض انبعاثات الكربون.
لكن حقيقة أن صناعة مسؤولة عن نحو 3 % من الانبعاثات العالمية قد اتخذت هذه الخطوة تضع ضغوطاً جديدة خاصة على صناعة الطيران، التي بدورها بدأت تطالب شركات الوقود الأحفوري بدفع المزيد من الأموال.
وقالت ماري أوينز تومسون، كبيرة الاقتصاديين في الاتحاد الدولي للنقل الجوي، في أحد النقاشات الحية في باكو الأسبوع الماضي: «إذا كنا نجمع المال، فلنجمعه من الذين لديهم المال».
وأضافت أن الأرباح السنوية الإجمالية لصناعتها كان 31 مليار دولار فقط، وهو أقل من أرباح بعض شركات النفط الكبرى في الآونة الأخيرة.
كما أن الدول تقدم مليارات الدولارات سنوياً كدعم للوقود الأحفوري «مباشرة إلى أيدي شركات النفط»، وهو ما يمكن استخدامه بدلاً من ذلك لتمويل الانتقال إلى الطاقة النظيفة، حسبما تشير.
من جانبها، تعد صناعة الطيران محقة في القلق، فهي تخضع لنظام تعويضات الكربون العالمي الذي تم الاتفاق عليه في عام 2016، ولكن حتى إذا كان النظام يضمن تخفيضات دائمة وإضافية في الانبعاثات، وهو ما يشكك فيه البعض، فإنه ليس مصمماً لتوليد الإيرادات، حسبما ورد في ورقة بحثية حديثة لصندوق النقد الدولي.
لهذا السبب، يقوم فريق العمل المعني بالضرائب التضامنية بدراسة سبل توسيع الرسوم المفروضة على تذاكر الطيران التي فرضتها بالفعل 21 دولة على الأقل، وهي خطوة يقدر أنها ستجمع ما يصل إلى 164 مليار دولار سنوياً.
وما ستصل إليه هذه الأموال غير معروف بالضبط، حتى لو جرى اعتماد المزيد من الدول لضرائب على أشياء مثل تذاكر الطيران، فتحويل الإيرادات من خزائن الدول إلى الدول الفقيرة التي تحتاج إلى تمويل مناخي هو خطوة كبيرة، ولكن هناك شيئاً واحداً واضحاً الآن: الأيام التي كانت تُعتبر فيها الضرائب الجديدة على الكربون مستحيلة سياسياً لم تعد قائمة.
