ليزلي هوك
في مصفاة ديلون جيج بولاية تكساس يعمل العمال ليل نهار على صهر قطع من المجوهرات وأطقم الطعام وحتى حشوات الأسنان القديمة، فيما تكافح لمواكبة إقبال الزبائن على بيع مقتنيات الفضة العائلية، ويقول رئيس المصفاة تيري هانلون: «نعمل بنظام ثلاث ورديات، سبعة أيام في الأسبوع، ومع ذلك لا نستطيع ملاحقة هذا الإقبال الكبير».
وهانلون ليس الوحيد، فقد حدث ارتفاع هائل لأسعار الفضة خلال العام الماضي، وتجاوزت الأسعار 90 دولاراً للأونصة، خلال الأسبوع الماضي، وعلى الرغم من تراجعها يوم الجمعة، إلا أنها لا تزال مرتفعة بنحو الربع هذا العام، وقد تضاعفت قيمة المعدن ثلاث مرات خلال الأشهر الـ 12 الماضية وسط تقلبات سعرية حادة.
ويقول التجار إن مخزون العملات الفضية يباع في وقت قياسي، بينما يحذر تجار المعادن الثمينة من نقص عالمي.
وجاءت المكاسب الهائلة، التي فاقت حتى الارتفاع التاريخي للذهب، نتيجة لتزامن موجة من المضاربات من قبل المستثمرين الأفراد مع نقص في إمدادات الفضة مستمر منذ خمس سنوات، وفي الوقت نفسه أدت زيادة التخزين بشكل غير معتاد من الفضة في الولايات المتحدة والصين إلى استنزاف مخزونات السبائك من خزائن لندن، حيث تحدد الأسعار العالمية.
ويقول فيليب ديل، المدير السابق لدار سك العملة الأمريكية: «إنها ظروف بالغة الصعوبة. لقد كنا نعاني من عجز طويل الأمد في الإمدادات، والوضع يزداد سوءاً».
وغالباً ما ينظر إلى الفضة على أنها أقل جاذبية من الذهب، إلا أنها برزت مستفيداً أكبر من التوترات الجيوسياسية والمخاوف بشأن أمان الدولار الأمريكي، والتي دفعت المعدن الأصفر إلى سلسلة من الارتفاعات القياسية.
وانضمت إلى المستثمرين الباحثين عن ملاذ بديل تدفقات هائلة من أموال الأفراد، ما أدى إلى ضغوط كبيرة على سوق لطالما هيمن عليه المستخدمون الصناعيون، وتجار المجوهرات.
يبلغ متوسط حجم التداول اليومي في سوق لندن 24 مليار دولار، مقارنة بـ 160 مليار دولار للذهب، وفقاً لإحصاءات جمعية سوق لندن للسبائك، وعلى عكس الذهب، الذي تخزنه البنوك المركزية على نطاق واسع، لا يوجد بائع أخير للفضة عند ارتفاع أسعارها، كما أن إنتاجها لا يتأثر كثيراً بتقلبات الأسعار، لأنها تستخرج في الأغلب منتجاً ثانوياً لمعادن أخرى، مثل الرصاص والزنك.
وأجبرت التقلبات الكبيرة في أسعار العقود الآجلة للفضة، خلال اليوم بورصة شيكاغو التجارية «CME» على رفع متطلبات الهامش على هذه العقود بشكل متكرر في الأسابيع الأخيرة، وأعلنت أنها ستبدأ بتحديد الهوامش نسبة مئوية من قيمة العقد، بدلاً من مبلغ محدد بالدولار، وضخ المستثمرون الأفراد مبلغاً قياسياً قدره 921 مليون دولار في صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالفضة خلال الـ 390 يوماً الماضية، وفقاً لبيانات شركة فاندا للأبحاث.
وقال أحد المشاركين في السوق بلندن: «لا أحد يرى هذا الارتفاع مدفوعاً بالعوامل الأساسية، بل هو أقرب إلى حالة من انجراف المستثمرين الأفراد وراء التيار السائد».
يقارن كثيرون هذا الارتفاع بظاهرة «ضغط الفضة» التي شهدها عام 2021، والتي غذاها موقع ريديت، حين استثمر مستخدمو المنصة في أسهم شركة جيم ستوب والفضة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الفضة لفترة وجيزة بنحو 5 دولارات لتصل إلى 30 دولاراً للأونصة، لكن بالمقارنة يعد هذا الارتفاع أقوى بكثير وأطول أمداً.
وكتب المحلل أشوين بهاكري من شركة فاندا في مذكرة للعملاء: «هذا ليس مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار الأسهم؛ لأننا نشهد تراكماً هيكلياً تجاوز الآن ذروة «ضغط الفضة» الذي شهده عام 2021».
في شركة شاربس بيكسلي، وهي شركة لتجارة السبائك في لندن، صرح مديرها في المملكة المتحدة، جايلز مابر، بأن المنتجات تباع بسرعة كبيرة وسط «إقبال غير مسبوق على الفضة».
وأضاف: «أي شيء يصلنا صباحاً ينفد بحلول وقت الغداء. الزبائن يسألوننا عن أي شيء لدينا»، كما نفدت المنتجات الرائجة، مثل العملات الفضية المعفاة من ضريبة أرباح رأس المال، حيث أبلغت دار سك العملة الملكية البريطانية تجارها بفترة انتظار غير معتادة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع قبل أن تتمكن من إعادة ملء المخزون.
ويعني ارتفاع حيازات صناديق المؤشرات المتداولة من الفضة أن «الكمية المتاحة للتداول الحر» - أي الكمية المتوفرة بسهولة في سوق لندن - أقل من المعتاد، وعلى الرغم من ارتفاع كمية الفضة في خزائن المدينة، خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن معظمها محجوز لدى صناديق المؤشرات المتداولة، وغير متاح بسهولة للسوق، وفقاً للمحللين.
وخلال العام الماضي جرت مراكمة كميات هائلة من الفضة في الولايات المتحدة الأمريكية خشية فرض الرئيس دونالد ترامب تعريفات جمركية على المعدن، إلا أن هذه المخاوف تراجعت، ما دفع الفضة إلى العودة للتدفق إلى لندن.
في الوقت نفسه شددت الصين قواعدها المتعلقة بتراخيص تصدير الفضة في بداية هذا العام، ما أثار مخاوف من احتمال بدء البلاد بتقييد تدفقات الفضة.
وكتبت لينا توماس، المحللة في غولدمان ساكس، في مذكرة للعملاء: «يؤدي انخفاض المخزونات إلى تهيئة الظروف لحدوث ضغوط، حيث تتسارع الارتفاعات مع استيعاب تدفقات المستثمرين للمخزون المتبقي من الفضة في خزائن لندن».
وقد أدى هذا النقص في المخزونات إلى ارتفاع أسعار تأجير الفضة - أي تكلفة اقتراض المعادن - التي بلغت مستويات قياسية في أواخر العام الماضي، لكنها انخفضت قليلاً الأسبوع الماضي.
وعلى عكس الذهب تستخدم الفضة على نطاق واسع في التطبيقات الصناعية -من الألواح الشمسية إلى السيارات الكهربائية والإلكترونيات- والتي تمثل عادة ما يصل إلى نصف الطلب العالمي السنوي على الفضة.
وقال نيكي شيلز، المحلل في شركة إم كي إس بامب: «أصبحت الفضة أشبه بأصول العملات الرقمية، نظراً لتقلباتها الشديدة»، مضيفاً أن ارتفاع الأسعار قد «يقضي على الطلب الصناعي وطلب المجوهرات»، لكن في مصفاة ديلون جيج، لا توجد أي مؤشرات على انخفاض الطلب.
وتشير المصفاة إلى أن مدة معالجة خطوط تكرير الفضة لديها تصل إلى ثلاثة أسابيع، بينما تستغرق عادة 48 ساعة فقط، ويقول رئيس المصفاة: «لا يوجد نقص في الفضة.
المشكلة تكمن في ورود كميات كبيرة من المعدن من مصادر لا تنتج الفضة النقية».