روبرت شريمسلي
من السهل إدراك سبب هذا الشعور الطاغي بين عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين بالحصانة. فقد انتخبوا رئيساً يبدو مستعداً للنظر إلى أي قيود على حرياتهم هجوماً على المصالح الأمريكية، وغالباً ما يتم اعتبار هوسهم محركاً للتقدم.
وحتى عندما تسعى الحكومات للتحرك لا يستطيع المشرعون المترددون مجاراة هؤلاء التقنيين الذين يملكون الثروة والنفوذ الإعلامي ومزايا الحصانة القضائية ورؤية عالمية متأثرة بأفكار آين راند، الكاتبة والفيلسوفة الأمريكية من أصل روسي، التي يرى البعض أنها استخدمت الفلسفة لتبرير القوة وسحق الضعيف، إلى جانب استغلالهم لتوفر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وخدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية طرقاً للتحايل على القيود.
ومع ذلك، من المهم إدراك أن لا أحد يبقى بمنأى عن المساءلة؛ فتاريخ الديمقراطية يحكي لنا عن كبح الدول لجماح الشخصيات المتنفذة، من الملوك إلى أباطرة الأعمال. ونادراً ما تكون الانتصارات كاملة، لكن في نهاية المطاف يتم التوصل إلى توازن جديد للقوى.
ما يتطلبه الأمر هو نقطة تحول تثير غضب عامة الشعب والسياسيين. بعد اكتشاف أن روبوت الدردشة الذكي «غروك»، التابع لإيلون ماسك، كان يعرض صوراً رقمية فاضحة، كان المسار البديهي هو الاعتذار ومعالجة المشكلة. ومع أنه يبدو الآن وكأنه يتراجع، إلا أن رد فعل ماسك الأولي غير المراعي للواقع أثار غضب المشرعين بدلاً من تهدئته.
والمهم هو أن هذه ليست مشكلة خاصة بـ«غروك» فقط، فنماذج الذكاء الاصطناعي الأخرى تقدم أدوات مشكوكاً فيها، يمكن أن تحفز الطلب من جانب الأفراد.
لكن هذا يكشف عن نقطة أهم، لقد اختار ماسك إحاطة «غروك» بقدر من الإثارة، ولذلك يرى عامة الناس أن حدود القواعد الاجتماعية باتت تُختبر وتُحدد وفقاً لأهواء هذه المجموعة من فائقي الثراء غير الخاضعين للمساءلة.
ولدى بعض الدول، بما فيها المملكة المتحدة، دوافع اقتصادية تدعوها إلى الحذر خشية الظهور بمظهر الرافض والمعادي للتكنولوجيا في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي.
لكن العديد منها وصل إلى مرحلة يتطلع فيها مواطنوها إلى القادة السياسيين لاتخاذ إجراءات، لا سيما بعد إعادة انتخاب دونالد ترامب، التي دفعت منصات التواصل الاجتماعي إلى التخلي عن جهودها في مراقبة المحتوى.
لقد أدت قضية غروك إلى حشد المشرعين من المملكة المتحدة وأوروبا وحتى الهند لاتخاذ إجراءات. ولو كان ماسك اختار المسار الأسهل لكانت هذه مجرد عاصفة عابرة. لكن حقيقة أن تراجعه جاء قسرياً تجعل الأمر أكثر إثارة: فكل إظهار للثبات يحفز الحكومات على القيام بالمزيد.
وتعد سلامة الأطفال هي الأولوية والأسهل، ومن اللافت للنظر أن قانون السلامة على الإنترنت في المملكة المتحدة، الذي يعتبر مزيجاً بين الجيد والسيّئ، يحظى بشعبية لأنه تم الترويج له بين الناخبين كوسيلة لحماية الأطفال من المحتوى الضار.
وقد تعهد حزب المحافظين، المعارض للرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، الأسبوع الماضي باتباع التشريع الأسترالي الجديد الذي يحظر استخدامها لمن هم دون سن السادسة عشرة.
هذا الأمر يعد في الوقت الراهن متسقاً أيديولوجياً، وتقول زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادينوش، إنه بينما يستطيع البالغون حماية أنفسهم، يجب حماية الصغار. لذلك لن يفاجأ أحد إذا سنّت المملكة المتحدة حظراً مماثلاً، لكن إلى متى سيستمر هذا الفصل الواضح بين البالغين والأطفال في ظل المخاوف الأخرى بشأن المعلومات المضللة والتزييف العميق؟
وقد يكون ماسك محقاً بدرجة ما في قوله إن هناك من يرغب في فرض رقابة عليه، مع أن قضية «غروك» لا تتعلق بحرية التعبير، بل إن النفور من ماسك يتفاقم بسبب استخدامه النشط لموقعه لزعزعة استقرار الحكومات الليبرالية.
لكن حتى الآن، يتراجع الوزراء عن فكرة حظر «إكس»، خوفاً من الحلول البديلة، وإدراكاً لحقيقة أن المجتمعات السامة التي يمكن أن يساعد ماسك في تكوينها ستجد في النهاية مكاناً آخر.
وتحجب بعض الأنظمة حول العالم المواقع الأمريكية أو تقيدها، وتقاوم بعض الدول الأخرى مثل هذه الحلول القاسية، لكن ناخبيها غالباً ما يكونون أكثر تعاطفاً مع الحظر واللوائح مما قد يرغب فيه دعاة الحريات المدنية.
وحتى لو لم تصل الدول إلى حد الحظر، فإن الجهات التنظيمية بدأت بالفعل في ممارسة صلاحياتها لفرض غرامات باهظة قد تجبر الشركات على الامتثال أو تقليص خدماتها.
إن عواقب مواجهة عمالقة التكنولوجيا المدعومين من ترامب قد تكون مكلفة وخطيرة، لكن من الواضح أيضاً أن المجتمعات لا تتقبل في الغالب قواعد اجتماعية تصاغ وفقاً لأعراف غريبة لأقطاب التكنولوجيا، وقد أصبح إيلون ماسك من خلال تصرفاته سفيراً كارثياً لقادة التكنولوجيا.
ولا يقتصر الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، فهناك مواجهة بين شركتي أبل وميتا والحكومة البريطانية بشأن التشفير التام بين الطرفين الذي يقول الوزراء إنه يساعد الإرهاب والشبكات الإجرامية.
ويكمن الخطر الذي يهدد شركات التكنولوجيا في افتراضها أنها محصنة ضد أي تغيير، وقد تشعر هذه الشركات بالأمان اليوم، لكن ثبات الجمهوريين المؤيدين لترامب ليس أمراً مفروغاً منه، فقد أظهرت حملات مكافحة الاحتكار في تسعينيات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أن حتى أقوى الاحتكارات يمكن إخضاعها.
ويمكن توقع ردة فعل انتقامية مستقبلية ضد التكنولوجيا، حيث يقوم الشعبويون، يميناً أو يساراً، في الولايات المتحدة بتنظيم أو تفكيك هذه الشركات العملاقة التي تبدو عصية على الترويض.
وفي ظل تهديدات ترامب التجارية يبدو أن المزاج العام قد تغير، حيث تتزايد المطالبات بمزيد من الحماية. وعندما يشعر السياسيون بضغط ناخبيهم قد يأتي التغيير سريعاً.
لذلك، على أباطرة التكنولوجيا المتنفذين إدراك ذلك الآن، والتوقف عن التباهي، وإيلاء المزيد من الاهتمام للمخاوف الاجتماعية.
وقد لا يكون التحول الكبير وشيكاً، لكن قليلاً ما تسمح المجتمعات إلى الأبد بأن تملى قوانينها وأنظمتها من قِبل غرباء ذوي قيم مختلفة تماماً، كما أن من سمات السياسة أن الناخبين يميلون في النهاية إلى استعادة السيطرة على حياتهم.