توجه متزايد بين دول العالم لتقليل المخاطر المرتبطة بالتعامل مع أمريكا

إدوارد لوس

كان العالم حتى وقت قريب يعتقد أن فك الارتباط بين الولايات المتحدة والصين بات وشيكاً.

لكن اتضح أن معظم الدول باتت تسعى جاهدة الآن لتقليل المخاطر المرتبطة بأمريكا.

وكما يرى جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أو الدنمارك، أحد أكثر حلفاء أمريكا ولاءً، فإن التهدئة مع دونالد ترامب لا تجدي نفعاً إلا إلى حد معين.

وبالتالي، نشهد الآن المراحل الأولى من عملية متسارعة من جانب الدول لتقليل مخاطر التعامل مع أمريكا.

إن التباعد عن القوة المهيمنة عالمياً أمر مؤلم، خصوصاً إذا كنت حليفاً. ومع ذلك، فإن أصدقاء أمريكا هم الأكثر اضطراراً إلى القيام بذلك الآن.. والصدمة التي تلقاها الحلفاء الأوروبيون والآسيويون كبيرة بالفعل.

لكن رفض أمريكا «للنظام الدولي الليبرالي» يشكل صدمة أيضاً -وإن كانت سارة من نواحٍ عدة- للصين، خصمها اللدود. لذلك، تسعى الصين الآن إلى أن تكون المزود الرئيسي للسلع والبضائع العالمية، بل والمنافع العالمية بما فيها الاستقرار.

وبينما يتوافد قادة العالم إلى دافوس، يدور معظم الحديث حول كيفية التعامل مع ترامب، الذي يصطحب معه نصف حكومته.

كما ستكون الصين، الأكثر هدوءاً، حاضرة لمتابعة الموقف. وعموماً، فإن خسائر أمريكا مكسب للصين. ودول نصف الكرة الأرضية الأمريكي، بما فيها كندا، تتقارب مع بكين. لذلك، فإن رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، سيتوقف في الصين قبل التوجه إلى دافوس. وكما تسير رحلة كارني، تسير الدبلوماسية العالمية.

وتعمل دول عدة على تقليل المخاطر في مجالين رئيسيين. الأول اقتصادي. وكارني في طليعة هذا التوجه مجدداً، فما يقرب من ثلاثة أرباع صادرات كندا تذهب إلى الولايات المتحدة، وهو رقم تسعى كندا إلى خفضه إلى أقل من 50%. سيتم تحويل جزء كبير منها إلى الصين والهند.

كذلك، يمكن اعتبار إبرام أوروبا الأسبوع الماضي اتفاقية تجارة حرة مع ميركوسور (الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي)، واتفاقية المملكة المتحدة العام الماضي مع الهند، هما من إنجازات ترامب المشتركة.

كما أن النقاش البريطاني حول تجاوز تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتقارب معه يعود جزئياً إلى ترامب.

فهو يحفز حوارات واسعة النطاق مع أطراف ثالثة لم تكن موجودة قبل عام. تسعى أوروبا إلى شراكة مع مجموعة دول المحيط الهادئ.

وكون الصين ليست عضواً فيها، لكنها ترغب بالانضمام، بينما انسحبت الولايات المتحدة في ولاية ترامب الأولى، يشير بوضوح إلى كيفية تطور الأمور.

يعد تنويع الاستثمارات بعيداً عن الدولار الأمريكي أكثر صعوبة. لكن هجوم ترامب العلني على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي - بما في ذلك فتح تحقيق جنائي مع رئيسه - يعزز هذا التوجه أيضاً.

وبغض النظر عما إذا كان باول سيحاكم، يمكن للمستثمرين توقع حقبة من ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة وانخفاض قيمة الدولار. وأياً كان من سيخلف باول، فسيكون أداة في يد ترامب. ومن المرجح أن تستمر حقبة السيولة النقدية في أمريكا لفترة أطول من طفرة الذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، ارتفع سعر الذهب، الذي يعد أفضل وسيلة تحوط تاريخية ضد الحروب والأوبئة، بأكثر من 70% منذ تولي ترامب منصبه العام الماضي.

كما يستحوذ الذهب على حصة متزايدة من احتياطيات البنوك المركزية العالمية على حساب الدولار. وحتى الآن، لم يهدد أي من المستثمرين الأمريكيين بمقاطعة سندات الخزانة الأمريكية. ويبدو أن ترامب يتجاهل حقيقة أن الأسواق لا تقل أهمية عن الاحتياطي الفيدرالي في تحديد تكاليف الاقتراض.

وقد تؤدي عمليات السحب الأجنبية الكبيرة إلى تبديد مكاسب السيولة السريعة الناتجة عن تخفيضات أسعار الفائدة قصيرة الأجل.

إن التخلص من سندات الخزانة يمكن اعتباره بمثابة الخيار النووي في المجال المالي. كما يلوح الخيار النووي الفعلي في الأفق في مجال التحوط الجيوسياسي.

ولم يغب عن أذهان خصوم أمريكا أن ترامب يتحدث بإيجابية عن كوريا الشمالية النووية. ولو كانت فنزويلا دولة نووية، لما كان نيكولاس مادورو يقبع الآن في سجن بروكلين.

وتناقش كوريا الجنوبية وألمانيا وأستراليا وبولندا، وحتى كندا، بدرجات متفاوتة، مسألة امتلاك الأسلحة النووية.

ولو ضم ترامب غرينلاند، فإن كندا يمكن أن تدرس الأمر بجدية. سيؤدي تعطيل حلف الناتو إلى سعي أوسع من جانب بقية دول الغرب نحو البحث عن حلول أمنية جديدة. لذلك، ترى الدنمارك الآن فوائد وجود نوع من المظلة النووية الأوروبية.

عموماً، ليس هناك سابقة تاريخية لقوة مهيمنة تتخلى طواعية عن قيادتها، على عكس ما يحدث عند هزيمتها في حرب أو بسبب تراجعها الطبيعي.

ويقف حلفاء أمريكا الآن عند مفترق طرق بين الماضي والمستقبل، ومن الواضح أن ترامب يسهل عليهم الاختيار.

إن رفع تكلفة الحماية الأمريكية يمكن أن يكون أمراً منطقياً، لكن لا يوجد مستهلك عاقل سيدفع أكثر مقابل منتج غير مضمون التسليم. وخلافاً لتشبيهات المافيا، يقدم ترامب لشركاء أمريكا صفقة لا يمكنهم قبولها.