الماضي لم يمضِ حقاً.. صراع اللعبة الكبرى في القرن التاسع عشر يتكرر


رنا فوروهار
تتزايد المؤشرات على أن المنافسة الحادة على الموارد بين الولايات المتحدة والصين ستتواصل حتى بعد رحيل الرئيس دونالد ترامب، وسيؤثر ذلك علينا جميعاً كذلك، فإن التاريخ يُعيد نفسه.

فخلال الأسبوع الماضي، رأينا العديد من المقارنات بين مبدأ مونرو ونزعة الرئيس دونالد ترامب الإمبريالية الجديدة - وهذا صحيح، نظراً لأن الإدارة نفسها تُجري هذه المقارنات (يكفي فقط قراءة استراتيجية الأمن القومي الأخيرة).

لكن ما يحدث في فنزويلا اليوم، وما قد يحدث في غرينلاند غداً، أو في أوكرانيا أو تايوان (حيث قد تتخذ روسيا والصين إجراءات مضادة رداً على ما يفعله البيت الأبيض)، لا يقتصر على حماية المناطق النائية الأمريكية، كما في مبدأ مونرو، بل هو صراع أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً على مستوى العالم.

لهذا السبب، فإن المقارنة التاريخية التي فكرت فيها هي «اللعبة الكبرى بين روسيا وبريطانيا في القرن التاسع عشر».

فقد أدى ذلك الصراع إلى زجّ الخصوم والحلفاء على حد سواء، وكثير منهم غيّروا ولاءاتهم عدة مرات خلال صراع دام عقوداً على النفوذ في آسيا الوسطى.

هذه المرة، تخوض الولايات المتحدة والصين لعبة كبرى جديدة. وهناك ثلاثة مجالات تتشابه فيها بشكل خاص صراعات القوى قبل قرنين من الزمان مع صراعات اليوم: التعدين، ورسم الخرائط، والتجارة. ولنبدأ أولاً بالحديث عن الموارد الطبيعية.

خلال القرن التاسع عشر، كانت الهند وآسيا الوسطى تمثل كنزاً ثميناً- منطقة غنية بالتوابل والمعادن النفيسة. أما اليوم، فيدور التنافس في أمريكا اللاتينية والقطب الشمالي، ويتمحور حول الوقود الأحفوري والمعادن الأرضية النادرة.

وتمتلك فنزويلا وغرينلاند كليهما، إلى جانب موانئ استراتيجية.

وكما كان التوسع الصيني في مجال الطاقة والبنية التحتية في أمريكا اللاتينية أحد أسباب تحرك ترامب ضد فنزويلا، فإن البلدين يتنافسان على الموارد في أقصى الشمال.

وهناك بالفعل شركة صينية مملوكة للدولة تستثمر في حقل كفانيفيلد المعدني في غرينلاند.

كما كثّفت بكين جهودها الدبلوماسية في البلاد خلال السنوات الأخيرة. ولا تقتصر رغبة الولايات المتحدة على المعادن فحسب، بل تطمح إلى منطقة قطب شمالي خالية من النفوذ الصيني.

وقد عززت الصين، عبر وكلاء روس في كثير من الأحيان، وجودها في منطقة الدائرة القطبية الشمالية، حيث لا تقتصر الموارد على رواسب ضخمة من الوقود الأحفوري غير المستغلة، بل تشمل مكاسب أخرى كالمصائد السمكية، وممرات الشحن الجديدة، وإمكانية استخدامها لمدّ كابلات الألياف الضوئية تحت الماء.

ولاستغلال هذه الموارد وتحقيق أهدافها الاستراتيجية، يقوم كلا البلدين برسم خرائط للمنطقة بتفصيل أكبر، مستخدماً في الغالب تقنية السونار، التي تفوق دقتها دقة الأقمار الصناعية. وهذا صدى مباشر لما يُعرف بـ«اللعبة الكبرى» الأصلية. ففي ذلك الوقت، نفّذ البريطانيون بعثات مسح طارئة بين روسيا والهند لفهم مسار العدو المحتمل.

وكما يوضح بيتر هوبكيرك في كتابه «اللعبة الكبرى: الصراع على الإمبراطورية في آسيا الوسطى»، كان رسم الخرائط والتجسس وجهين لعملة واحدة.

وينطبق الأمر نفسه اليوم على الدول التي تسعى للاستحواذ على الموارد الطبيعية وممارسة التجسس الإلكتروني.

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أن المناطق الاقتصادية لأي دولة يمكن أن تمتد لمسافة 200 ميل بحري من الجرف القاري.

لذا، يصبح تتبع مواقع هذه الجروف بدقة أمراً بالغ الأهمية. وتقوم كل من الولايات المتحدة وروسيا بذلك اليوم، بينما قامت الصين بتشغيل غواصاتها الخاصة تحت جليد القطب الشمالي الصيف الماضي، على الأرجح لأغراض اقتصادية ودفاعية.

إن الفكرة، كانت ولا تزال، هي استباق المعركة بدلاً من الاشتباك المباشر. أي التفوق على المنافس في الوصول إلى منطقة معينة، ثم السبق في استغلال الموارد والتحالفات.

وتتجنب هذه الاستراتيجية «الاستباقية» الحرب المباشرة، لكنها تؤدي إلى شتى أنواع المؤامرات، والمعارك الصغيرة، والصراعات الخفية، والاتفاقات مع الدول العازلة، واختلاف الآراء حول الحدود.

في الماضي، كما هو الحال الآن، يمكن أن تكون الدول «أصدقاء أعداء» وسط صراع النفوذ. ففي القرن التاسع عشر، حاربت روسيا وفرنسا معاً وضد بعضهما البعض في أوقات مختلفة.

كما غيّر الأفغان والفرس ولاءاتهم مراراً. واليوم، تُعد الصين وروسيا شريكتين في القطب الشمالي. تمثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية أيضاً نوعاً من المحور المناهض لأمريكا.

لكن هذه التحالفات هشة، وكذلك علاقات أمريكا مع حلفاء مثل كندا وفنلندا، واللتين من المفترض أن تكونا شريكتين في استراتيجية صناعية جديدة لبناء السفن.

ومن المتوقع أن يزداد الوضع تعقيداً. فالدول الأوروبية منقسمة ليس فقط حول الإطاحة بنيكولاس مادورو، بل أيضاً حول ما يجب فعله في حال ضم غرينلاند.

وأظن أن كبير مستشاري ترامب، ستيفن ميلر، محق عندما يشير إلى أن لا أحد سيقاتل من أجل غرينلاند.

فقد أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن 38% فقط من المواطنين الألمان و16% من الإيطاليين في سن القتال مستعدون لحمل السلاح للدفاع حتى عن بلادهم.

من ناحية أخرى، فإن النزعة التجارية التي تحرك كلاً من الصين والولايات المتحدة ستؤدي، بطبيعتها، إلى صراع وتعاون مع دول متعددة، حيث يدور الفاعلون الرئيسيون حول بعضهم البعض بحذر، ساعين إلى توسيع نفوذهم دون الانخراط في حرب مباشرة.

تماماً، مثلما جرت لعبة القوى العظمى الأصلية بشكل غير مباشر من خلال صراعات بالوكالة. وهذا ما يحدث اليوم.

فأوروبا وكوريا واليابان وأستراليا وجزء من أفريقيا وأمريكا اللاتينية جميعها معنية بهذا الأمر. وعليها اتخاذ خيارات غير ثنائية بين الولايات المتحدة والصين، وقد يستغرق الأمر عقوداً حتى تستقر الأمور.

وكما كتب هوبكيرك: «يرى البعض أن اللعبة الكبرى لم تنتهِ قط، وأنها لم تكن سوى مقدمة للحرب الباردة في عصرنا، تغذيها نفس المخاوف والشكوك وسوء الفهم.

وكل هذه الأمور ما زالت حاضرة اليوم. فالماضي، في نهاية المطاف وكما هو واضح، لم يمضِ حقاً».