نسف ترامب للقوانين.. القواعد المالية العالمية ليست استثناءً

كاتي مارتن
خاض دونالد ترامب عملية استيلاء مفاجئة على السلطة في فنزويلا عبر هجوم عسكري. 

كما تحدث بجدية ظاهرة عن «حاجته» إلى ضم غرينلاند أيضاً، ما يمثل بداية مدوية لعام 2026. وتعدّ هذه لحظة حاسمة للنظام الدولي القائم على القواعد، وللتحالفات داخله.

أما بالنسبة للأسواق المالية، فالوضع كالمعتاد. وبالكاد تحرك سعر النفط، وهو أثمن أصول فنزويلا، ولا يزال عالقاً قرب أدنى مستوياته في خمس سنوات عند نحو 60 دولاراً للبرميل.

وإن كانت أسهم بعض شركات النفط الأمريكية ارتفعت بشكل ملحوظ على أمل أن تتدخل لإعادة هيكلة قطاع الطاقة الفنزويلي، بغض النظر عن حقيقة أنها ستحتاج إلى إنفاق مليارات الدولارات على بنية تحتية متهالكة مليئة بالثغرات الأمنية للوصول إلى النفط في البلاد.

كذلك، من المرجح أن تنخفض أسعار النفط أكثر إذا توسع الإنتاج الفنزويلي بالفعل.

وهذه التفاصيل موضوع آخر، لكن في الوقت الراهن، يُعدّ قطاع النفط القطاع الأكثر تأثراً في سوق الأسهم بتأييد الرئيس، وهذا كافٍ لرفع أسعار الأسهم.

ومرة أخرى، تتغاضى الأسواق عن ترامب، حيث يتجاهل المستثمرون مغامرات الرئيس الأمريكي الجديدة وتحديه حتى لحلفاء الناتو.

وبدأت الأسهم العالمية عام 2026 بنفس الحماس الذي أنهت به عام 2025. أما الذهب، الذي عادةً ما يستفيد في أوقات التوترات الجيوسياسية، فقد استأنف زخمه الصعودي، وإن لم يكن بشكل كبير.

بينما تغيب السندات الحكومية والدولار - وهما ملاذان آمنان آخران في أوقات الأزمات - عن الأنظار، فبالنسبة لهما يبدو أن لا شيء يُهم.

وهذا التهاون الظاهر، في رأيي، مبني على سراب. فمن جهة، الرئيس الأمريكي المستعد لقصف دولة ذات سيادة أخرى واعتقال زعيمها لا يُظهر احتراماً كبيراً للقواعد والأعراف.

والتلويح بالقوة تجاه غرينلاند، وهي محمية تابعة للدنمارك، الحليف المفترض والعضو في حلف الناتو، يُعدّ خطوةً أبعد.

وبالمثل، إذا كنت لا تزال تعتقد أن هذا الرئيس وإدارته يعتزمون التعاون مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، فهذا أمر مستغرب.

فمن الواضح أن الأعراف والتقاليد والقانون لا تشكل أي ضوابط لهذا المشروع السياسي.

ومن المقرر أن يتنحى جيروم باول، رئيس البنك المركزي الأمريكي، والذي وصفه ترامب بأنه «مهرج» و«أحمق»، عن منصبه في مايو. وحتى الآن، انصبّ معظم التركيز في الأسواق على من سيختاره ترامب ليخلفه. وهذا أمر جيد. فالكفاءة الشخصية مهمة.

ولكن على المستثمرين أن يكونوا متيقظين، ويجب ألا يتفاجأوا إذا ما تحوّلت عملية الاختيار هذه إلى جهد أوسع لإعادة تشكيل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشكلٍ جذري، مع مزيد من السيطرة من وزارة الخزانة الأمريكية ومن الرئيس نفسه.

إن البنوك المركزية تخدم الهيئات المنتخبة التي تمنحها صلاحياتها، ومثال على ذلك الرسالة السنوية التي يرسلها وزير المالية إلى بنك إنجلترا لتذكير المحافظ بصلاحياته بما يتماشى مع أهداف الحكومة.

وفي معظم الدول المتقدمة، يُعدّ هذا إجراء شكلياً، مع ضمان الاستقلالية في ظل إطار الحوكمة القائم على مبدأ «المسؤولية الشخصية».

مرة أخرى، لا يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كانت هذه الإدارة، التي شنت هجوماً على كاراكاس، وتهدد دولة عضواً في حلف الناتو بضم أراضيها، ستستمر على هذا النهج.

لذلك، على أقل تقدير، ينبغي على المستثمرين أن يتوقعوا، بدءاً من شهر مايو، إن لم يكن قبل ذلك، أن يكون البنك المركزي متردداً بشدة في رفع تكلفة الاقتراض حتى لو شهد التضخم عودة قوية.

ويبدو من الحكمة في هذه المرحلة توقع ما يمكن أن نسميه مجازاً «تقارباً أكبر» بين سياسة الرئيس وسياسة البنك المركزي.

ويقول مايك إيكينز، كبير مسؤولي الاستثمار في مجموعة المعاشات التقاعدية البريطانية فينيكس: «لا تعكس أسواق السندات بشكل كافٍ إعادة تشكيل تفويض الاحتياطي الفيدرالي. وكل الطرق تؤدي إلى التضخم».

وكتب منصور محيي الدين، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في بنك سنغافورة، أن الإطاحة القسرية بنيكولاس مادورو من منصبه في فنزويلا كانت بمثابة «صدمة للنظام العالمي» ذات «أهمية طويلة الأمد تضاهي حرب روسيا في أوكرانيا».

وأضاف أن ذلك يُعد عاملاً آخر يُقوّض دور الدولار كأصل الملاذ الآمن الرئيسي.

وسيزيد ذلك من الضغط على الحكومات لزيادة الإنفاق على الدفاع وسلاسل الإمداد، مما يُبقي التضخم مرتفعاً ويُحدّ من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة.

ويشير الهدوء الذي يشهده السوق على المدى القصير إلى حقيقة مفادها أن أسعار الأصول ليست مؤشراً دقيقاً على صحة التعددية وسيادة القانون، وهو ما يُشجع ترامب على المضي قدماً في أجندته الجيوسياسية.

كما أنه يُعد بمثابة ضربة قاضية أخرى لثقة المستثمرين العالميين في الأصول الأمريكية التي اعتبروها أمراً مسلماً به لعقود.

واليوم، يُفكك ترامب مرة أخرى التحالفات الجيوسياسية. لذلك، فإن الثقة تتلاشى بسرعة، فما الذي يمكن يمنعه غداً من قلب قواعد التمويل العالمي رأساً على عقب؟