ضحايا البطالة المقنعة.. الجانب المسكوت عنه في أزمة كورونا

إذا كانت تقديرات صندوق النقد الدولي دقيقة، فإنها ستكون المرة الأولى منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين التي يضرب فيها الركود كلا من الاقتصادات المتقدمة والنامية. كما يتجه معدل البطالة في العالم ليصل إلى أكثر من 10% لأول مرة ايضا منذ الكساد الكبير.

وتقول الدكتورة ليندا يوه خبيرة الاقتصاد والمحاضرة بكلية لندن للأعمال إن الحقيقة هي أن أغلب الأفكار الاقتصادية الكبيرة التي نصيغها هذه الأيام مستمدة من تجربة الانهيار الاقتصادي السابق قبل نحو 90 عاما، وبخاصة من أعمال عالمي الاقتصاد جون ماينارد كينز وميلتون فريدمان، لذلك لم تكن مفاجأة أن نرى أغلب الحكومات تركز على الدروس التي استخلصها كبار الاقتصاديين من تلك التجربة الاقتصادية مثل توفير السيولة النقدية لمساعدة النظام المالي (فريدمان) وحزم التحفيز المالي للمحافظة على دوران عجلة الاقتصاد (كينز). ولكن للأسف الشديد فإننا نخاطر بتجاهل عمل عقلية كبيرة لكنها كانت أقل شهرة في ذلك الوقت وهي جوان روبنسون.

وتضيف الدكتورة "ليندا يوه" في تقرير نشرته وكالة بلومبرج للأنباء أن روبنسون كانت تلميذة لكينز، وركزت أفكارها على ضرورة تدخل الدولة لدعم التوظيف في أوقات الأزمات. وكانت صاحبة الفضل في بلورة مفهوم "البطالة المقنعة" أو الخفية، في ثلاثينيات القرن العشرين، والمقصود به العمال الذين يضطرون للالتحاق بأي عمل متاح وبالتالي يتم استبعادهم رسميا من قوائم البطالة. وتقول روبنسون إن العامل عندما يتم تسريحه من عمله الأصلي يضطر للعمل في أي شيء حتى لو كان بيع الكبريت في الشوارع حتى يكسب قوت يومه.

ورغم أن هؤلاء العمال يعملون من الناحية النظرية، فإن مثل هذه الوظائف بمثابة بطالة مقنعة، وهو ما يعني أن معدلات البطالة التي تنشرها الحكومات في مثل هذه الأوقات لا تعكس الواقع الحقيقي للبطالة في الدولة.

وتقول الدكتورة يوه إن بائع الكبريت في الشوارع الذي تحدثت عنه روبنسون في الثلاثينيات، يعادل حاليا أصحاب وموظفي المشروعات الناشئة في عالم التكنولوجيا والاقتصاد الجديد والعمالة المؤقتة.

وبفضل فكرة روبنسون الرائدة غيرت الولايات المتحدة مقاييس البطالة لتشمل ليس فقط العاطلين رسميا وإنما أيضا الأشخاص الذين يريدون أو يبحثون عن عمل دائم لكنهم اضطروا إلى قبول عمل مؤقت أو لجزء من الوقت بسبب الظروف الاقتصادية. وهناك مقياس آخر للبطالة في الولايات المتحدة يعرف باسم "معدل يو 6" ويشمل أيضا هؤلاء المتاحين للتوظيف لكنهم لا يبحثون عن وظيفة أو توقفوا عن البحث عنها.

ووفقا لهذا المقياس وصل معدل البطالة في الولايات المتحدة خلال مارس الماضي إلى 8.7%، وهو ما يبلغ ضعف معدل البطالة الرسمي في الولايات المتحدة تقريبا ويبلغ 4.4%.

وفي ذلك الشهر كانت تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في بداياتها. وكان هذا هو الوضع أثناء الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في خريف 2008، عندما بلغ معدل البطالة وفق مقياس "يو 6" ضعف معدل البطالة الرسمي، ثم تراجع هذا المعدل بعد ذلك مع تعافي سوق العمل.

وذكر تقرير بلومبرج أن أفكار روبنسون تؤكد لنا ضرورة توسيع نطاق الطريقة التي نفكر بها في الذين يعملون في مشروعاتهم الخاصة، وهذه الشريحة يمكن أن تتسع لتبدأ من العمالة المؤقتة وحتى الأثرياء من أصحاب الشركات، وضرورة العمل على تخفيف عبء البطالة المقنعة أيضا.

وفي مواجهة تداعيات أزمة كورونا الحالية، وساعدت برامج دعم الدولة لأجور عمال الشركات الخاصة الذين احتفظت بهم الشركات أو منحتهم إجازة بدون راتب في عدد من الدول مثل الدنمارك والولايات المتحدة وبريطانيا، كما ساعد تحمل الدولة لنسبة كبيرة من أجر العمال الذين خفضت الشركات عدد ساعات عملهم كما هو الحال في ألمانيا وفرنسا ودول أخرى، في استمرار علاقة العمل بين العمال وأصحاب العمل، من خلال استقرار الشركات التي كانت ستضطر إلى تسريح العمال لخفض النفقات.

وقد استفاد بعض أصحاب المشروعات الرابحة والمستقرة من بعض برامج الدعم الحكومي للتوظيف. في المقابل فإن هذه الإجراءات غالبا ما تتجاهل هؤلاء الناس الذين يقعون في دائرة البطالة المقنعة. والمتعاقد الذي يعمل لحسابه الخاص بأقل قدر من الأرباح أو يحصل على نصيب من الأرباح بدلا من الأجر الشهري لكي يمول مشروعه الناشئ يتم استبعاده من برامج الدعم الحكومي للتوظيف.

كما أن المنحة غير المتكررة التي صرفتها الولايات المتحدة بمقدار 1200 دولار لكل أمريكي لن تكفي لمساعدة هذه الشريحة التي خرجت من دائرة شبكة الأمان الحكومي للتوظيف، في ضوء حجم التراجع الاقتصادي الحالي.

وترى الدكتورة يوه أن خطورة هذا الوضع تكمن في أن مثل هذه الشريحة من أصحاب المشروعات الخاصة الناشئة أغلبهم من المبتكرين ورواد الأعمال، وبالتالي فإن تكلفة خروجهم من قوة العمل على المدى الطويل ستكون باهظة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي ككل لآنه سيفقد جزءا مهما من قوة العمل الفاعلة وهو ما سيؤثر سلبا على معدلات نمو الاقتصاد بعد الخروج من الجائحة. معنى هذا هو أن ابتكار نظم لمساعدة هؤلاء العمال أمر صعب لكنه ضروري.

وأضافت: "في أيام روبنسون كان هذا الدعم يتم من خلال شبكة أمان اجتماعي لمساعدة هؤلاء الذين سقطوا من حساب برامج الإنقاذ والدعم الرئيسية.أما اليوم فيمكن الوصول إلى هذا الهدف من خلال ضمان دخل أساسي لهم أو توفير قروض أساسية وكذلك رعاية صحية لتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي القائمة".

طباعة Email
تعليقات

تعليقات