الإنترنت والاقتصاد الأميركي

ما التهديد الأكبر على الاقتصاد الأميركي؟، هل هو العجز في الميزانية الاتحادية، أو الصين، أو العجوزات التجارية، أو المدارس غير الفعالة أو الإنترنت؟، الجواب الصحيح، هو الإنترنت، سحر العصر التكنولوجي.

صحيح أن كل التهديدات المذكورة حقيقية. فالعجوزات في الميزانية، يمكنها أن ترفع أسعار الفائدة، والصين يمكن أن تتغلب على الولايات المتحدة في صناعات عالية التقنية، والمدارس غير المناسبة، تعني ندرة في العمال المهرة. فجميع تلك التطورات، يمكن أن تبطئ قليلاً النمو الاقتصادي، أو ترفع البطالة.

لكن شبكة الإنترنت، إذا انقلبت ضدنا، عبر القرصنة والهجمات السيبرانية، فبإمكانها أن تعلق معظم نشاطاتنا الاقتصادية، فهي تمثل «تهديداً كامناً لجميع الأميركيين الذين يستخدمون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات»، أي كل واحد منهم.

هذا التحذير لا يأتينا من جماعة أكاديمية غير معروفة أو شركة، لكن من التقرير السنوي لمجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، الذي كرّس فصلاً كاملاً عن مخاطر الإنترنت. ويستشهد التقرير، بدراسة تقدر قيمة الدمار من أي هجوم على «البينة التحتية» لشبكة الكهرباء أو نظام الدفع، بتريليون دولار.

حتى هذا الرقم، يبدو متدنياً أكثر مما يجب. عملياً، يعتمد كل شيء تقريباً على الكهرباء ووصولها الموثوق: المصاعد، والأضواء، والحواسيب، والثلاجات، وهلم جرا. وسوف يعطل أي شل لشبكة الكهرباء، النشاطات اليومية بشكل واسع. الدمار المحتمل والفوضى المترتبة على الاقتصاد الأميركي، البالغة قيمته 20 تريليون دولار، قد يكون هائلاً، وربما حتى عصياً على الحسبان.

ما ندركه الآن، هو أن الإنترنت لديها سمات كثيرة ذات طابع حربي. بشكل مثير للفضول، لا تناقش الدراسة، التلاعب الروسي في انتخابات عام 2016، لكن هذا الإغفال، يعزز الرسالة الأساسية للدراسة: على الرغم من الجانب الجيد الذي تحققه الإنترنت، إلا أن هذه الشبكة بسلوكيات مدمرة محتملة، بالكاد كان يمكن تخيلها منذ عقد من الزمن.

وبالاعتماد على بيانات «فريزون»، فإن تقرير مجلس المستشارين، يصنف المقاتلين السيبرانيين، ضمن أربع مجموعات رئيسة: أولاً، الدول القومية التي تتجسس على خصومها، أما الجهات الرئيسة، فتتشكل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران والولايات المتحدة.

وثانياً، المجرمون المشاركون في سرقة الهويات و«جرائم الفدية»، والذين يعمدون إلى سرقة البيانات، ويتعهدون بإعادتها مقابل دفع مبالغ معينة، وثالثاً، المنافسون الاقتصاديون، الذين يسرقون التكنولوجيا والأسرار التجارية، ورابعاً، شبكة «المطلعين على بواطن الأمور في الداخل»، وهم في العادة عمال منتفضون «يفكرون في الانتقام والكسب المالي»، بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد من العاملين المستقلين: أشخاص بأجندات سياسية، أو أولئك الذين يعتمدون على القرصنة على سبيل الهواية.

ووفقاً لبيانات فريزون، فإن نصف «الجهات الفاعلة التي تمثل تهديداً» هم مجرمون، وحوالي الخمس مجموعات مرتبطة بدول، والأمر المثير للاهتمام، أن ربع الهجمات السيبرانية من فعل الفئة الرابعة، أي المطلعين على بواطن الأمور.

ويقدم تقرير المستشارين، أمثلة عديدة عن اختراقات في الكمبيوتر. في عام 2017، تم اختراق «اكويفاكس»، التي تمثل واحدة من أكبر مكاتب الائتمان في تصنيف الموثوقية المالية للمستهلكين، وحصل المهاجمون على أكثر من 140 مليون سجل شخصي (أسماء وعناوين وأرقام الضمان الاجتماعي). وفي عام 2014، اخترق قراصنة حواسيب «هوم ديبو» عبر شبكة أحد الموردين، تتألف من أكثر من 50 مليون حساب.

حتى الآن، التهديدات الأكبر للإنترنت، كانت نظرية أكثر منها فعلية، لكن التكاليف يمكن أن تكون مرتفعة على الأسر والشركات والوكالات الحكومية، وقد أفيد بأن تصاميم المقاتلة الحربية «إف-35»، جرى سرقتها ونقلها إلى الصين، حيث تم تضمين بعض مزاياها في الطائرة الصينية «جيه-31». لكن التأثير الجماعي لتلك الخسائر الفردية، لم تسبب بعض انهيار للاقتصاد الأوسع نطاقاً، عبر هجمات واسعة النطاق على البنى التحتية الحيوية.

وكم ستبلغ كلفة جريمة الحاسوب في الولايات المتحدة وحدها، غير معروف!، ففي تقريرها، قدّر مجلس المستشارين، الكلفة في 2016، بين 57 و109 مليارات دولار، وعلى الرغم من أن تلك الأرقام كبيرة، إلا أنها أقل من 1 % من الاقتصاد الأميركي.

وبمعزل عن الرقم، يقرّ تقرير مجلس المستشارين، بأنه قد يكون غير واقعي، أما السبب وراء ذلك، فيعود إلى أن العديد من الشركات لا تبلغ عن اختراقات سيبرانية. ويقول التقرير إن «عدم التبليغ شائع» بين الشركات التي تخشى على أسعار أسهمها من التراجع، أو أن ينأى المستهلكون بأنفسهم عن منتجاتها أو أن تؤدي هشاشتهم للجرائم الحاسوبية، إلى المزيد من الهجمات السيبرانية. والعالم يضيف إلى تلك الهشاشة، بصنع المزيد من الأجهزة المعتمدة على الإنترنت.

 

محلل اقتصادي في صحيفة واشنطن بوست

تعليقات

تعليقات