في اعتراف جديد بقيمتها التاريخية وتأثيرها العابر للأجيال، أدرجت مجلة Forbes سيدة الأعمال مدام سي. جي. ووكر ضمن قائمتها التي تحمل عنوان «فوربس 250» لأبرز المبتكرين في التاريخ، تقديرا لدورها الريادي في بناء نموذج اقتصادي واجتماعي ترك بصمة مستدامة في الولايات المتحدة.
ويعكس هذا الإدراج مكانة ووكر ليس فقط بوصفها واحدة من أنجح رائدات الأعمال العصاميات، بل باعتبارها شخصية أحدثت تحولا في بنية قطاع التجميل، وأسهمت في تمكين آلاف النساء، لا سيما من أصول أفريقية، في وقت كانت فيه الفرص الاقتصادية محدودة للغاية.
لا يعكس وجود ووكر في هذه القائمة ثروتها الشخصية فحسب، بل إنها حوّلت مشروعا للعناية بالشعر، انطلق برأسمال لا يتجاوز 1.25 دولار، إلى شركة وظّفت في أوجها حوالي 40 ألف شخص، وفتحت بذلك أحد أوضح السبل أمام النساء السوداوات لتحقيق الاستقلال الاقتصادي في أوائل القرن العشرين، وبحلول وفاتها عام 1919، تجاوزت ثروتها الصافية مليون دولار، ما جعلها واحدة من أنجح سيدات الأعمال العصاميات في عصرها.
وُلدت ووكر باسم Sarah Breedlove عام 1867 في ولاية Louisiana، لأسرة عانت من العبودية، ومنذ طفولتها، واجهت ظروفا قاسية، إذ فقدت والديها في سن مبكرة، واضطرت للعمل في حقول القطن ثم في الخدمة المنزلية، دون أن تحظى بتعليم نظامي يُذكر.
تزوجت في سن صغيرة، لكنها ترمّلت في العشرين من عمرها، لتتحمل مسؤولية إعالة نفسها وابنتها Lelia Walker في مدينة St. Louis، حيث كانت تعمل في غسل الملابس مقابل أجر يومي متواضع لا يتجاوز دولارا واحدا.
ويشير المتحف الوطني لتاريخ المرأة إلى أن تلك المرحلة شكّلت نقطة تحول في حياتها، إذ دفعتها الظروف الصعبة إلى البحث عن فرص أفضل.
انطلقت مسيرتها في عالم التجميل من تجربة شخصية، بعدما عانت من مشاكل حادة في فروة الرأس أدت إلى تساقط الشعر، وهي معاناة شائعة في ذلك الوقت نتيجة ضعف الخدمات الصحية ورداءة المنتجات، وبعد عملها في بيع مستحضرات لشركات أخرى، بدأت في تطوير منتجاتها الخاصة، وانتقلت عام 1905 إلى Denver، حيث أطلقت منتجها الشهير لنمو الشعر.
غير أن نجاح ووكر لم يكن قائما على المنتج وحده، بل على رؤية متكاملة، فقد أسست نظاما شاملاً للعناية بالشعر يشمل التوعية الصحية، والتدريب، والتسويق، إلى جانب توفير منتجات متخصصة، كما اعتمدت أسلوب البيع المباشر، ما أتاح لها الوصول إلى شريحة واسعة من النساء اللواتي لم تكن الشركات التقليدية تستهدفهن.
وفي خطوة استراتيجية، أسست عام 1908 مدرسة تدريب في Pittsburgh حملت اسم "ليليا كوليدج"، لتأهيل النساء على استخدام منتجاتها وتسويقها، قبل أن تنقل مقر شركتها إلى Indianapolis، حيث استثمرت مبالغ كبيرة في إنشاء مصنع ومختبر وصالون، ما ساهم في تحويل مشروعها إلى مؤسسة صناعية متكاملة" ووفقا لـ National Park Service، شكّلت هذه الخطوة نقطة تحول رئيسية في توسع أعمالها.
بحلول عام 1917، كانت ووكر قد درّبت نحو 20 ألف امرأة، معظمهن من ذوات البشرة السوداء، للعمل في مجال التجميل، سواء عبر بيع المنتجات أو إدارة صالونات خاصة بهن، وقد وفّر هذا النموذج فرصة نادرة لتحقيق الاستقلال المالي في زمن كانت فيه الخيارات المهنية محدودة للغاية.
كما نظّمت ووكر مؤتمرات سنوية لوكيلاتها، أسهمت في بناء شبكة مهنية واسعة، وشجّعت على الجمع بين النجاح الاقتصادي والعمل المجتمعي، وامتد نشاط شركتها إلى خارج الولايات المتحدة، ليشمل مناطق في أمريكا الوسطى والكاريبي، ما عزز حضور علامتها التجارية.
وعلى صعيد العمل الخيري، سخّرت ووكر ثروتها لدعم قضايا مجتمعية، حيث قدّمت تبرعات لعدد من المؤسسات، من بينها NAACP التي تُعرف بالجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، وYMCA، وTuskegee Institute، إضافة إلى دعمها لحملات مناهضة التمييز والعنف.
توفيت ووكر عام 1919 عن عمر 51 عاما، متأثرة بمضاعفات صحية، لكنها تركت إرثا استمر عبر ابنتها A’Lelia Walker، التي واصلت إدارة أعمالها، ولا يزال اسمها حاضرا حتى اليوم من خلال مراكز ثقافية ومؤسسات تحمل إرثها.
ويؤكد إدراجها في قائمة "فوربس 250" أن تأثيرها لم يقتصر على تأسيس شركة ناجحة، بل امتد إلى بناء منظومة اقتصادية واجتماعية مكّنت أجيالا من النساء، ورسّخت نموذجا فريدا يجمع بين ريادة الأعمال والمسؤولية المجتمعية.
