«البيان» ترصد الأثر الاقتصادي في «مبادئ دبي الثمانية» و«وثيقة الخمسين»

محمد بن راشد يحيي الحلم الإنساني بـالمدينة الفاضلة

لم يطُل الوقت بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عند لحظة الشكر المفعمة بالامتنان والمحبة، التي غمره بها شعبه والمقيمون على أرض الدولة، عرفاناً بخمسين عاماً أمضاها سموه بالعطاء وخدمة وطنه وأهله والمقيمين على أرضه، في لحن وفاء يردد كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وانتقل سريعاً إلى خطوته التالية، ثم التالية، فسموه، كعهده دائماً، صاحب رؤية، وكلمة وفعل..

في خطوته التالية، الأولى، قدم سموه رؤيته التي فاضت بـ«ثمانية مبادئ وأسس قامت عليها دبي، ومضى عليها الحكم سابقاً»، ويحكم سموه بها اليوم.

ولم ينتظر طويلاً، فألحقها بخطوته التالية، الثانية، وتجسّدت بكلمته التي حملتها «وثيقة الخمسين»، التي ضمت جوانب من رؤيته لمدينة دبي المستقبل، والحياة التي يتمناها لكل من يعيش في هذا المجتمع.

في الأولى، كما الثانية، يقدم سموه مساراً يقود إلى المستقبل، ويفضي إلى الإنجاز، ويلهم بالعمل، ولكن الرجل الذي يشهد عليه «كتاب الإنجاز»، المجسد بنموذج دبي الفريد، والغني بالتجارب والطموحات المتحققة، قدم هذه المرة إنجازاً مختلفاً، وأعلى بنياناً نوعياً، فهذه المرة، لم يعلن عن مشروع.

ولا أطلق مبادرة، لكنه خاطب العقل ولامس الوجدان، وأودع في الضمائر أمانات وعهوداً. منح أهل العمل والعقل والفكر خلاصة التأمل بـ«التجربة الفريدة»، في وثيقة حملت «مبادئ دبي الثمانية».

وخاطب الوطن وأهله والمقيمين، يتصدرهم كل «من يتولى مسؤولية» في الإمارة، ووضع بين أيديهم وعداً وعهداً والتزاماً، وبرنامج عمل بإمضاء يمثل بحد ذاته ضمانة تحفظ أمانة «المبادئ» وتؤمن النجاح لعهد «الخمسين».

رؤية جريئة

ما بين «مبادئ دبي الثمانية» و«وثيقة الخمسين»، تمتد استراتيجية طموحٍ وحلمٍ جذري، تسنده التجربة والخبرة والإنجاز والتطلعات الكبيرة، يدرك كل من اطلعوا عليه كما ورد في نص الوثيقتين، إنه ليس حلم منام.

ولكنها رؤية واقعية جريئة تتحدى الخيال اليومي، إلى درجة يصعب معها الإيمان بها لو صدرت عن شخص آخر، غير صاحبها، الذي عهده الجميع عند الوعد، وعند العهد، يستبق الحاضر إلى المستقبل لا يتوقف عند خطوة، ويتبع كل واحدة بأخرى تالية.

في ثنايا هاتين الوثيقتين الاستراتيجيتين برزت مجموعة من المعطيات، من أهمها:

أولاً، اختار سموه في الوثيقة الأولى أن يبني رؤيته في مجموعة من «المبادئ» التي «قامت عليها دبي، ومضى عليها الحكم سابقاً، وأحكم أنا بها اليوم دبي»، مؤكداً على «جميع من يتولى مسؤولية في هذه الإمارة أن يلتزم بها، ويتمسك بما جاء فيها، ونوجّه من بيدهم الأمر أن يضعوا الآليات لضمان استمراريتها، مهما كانت الظروف، أو تبدلت الأحوال، أو تغيرت الوجوه».

وتالياً، وصف سموه هذه المبادئ بأنها «مبادئ حُكم وحكومة». ثم لاحقاً في النص، وصف مضمون المبدأ السادس بأنه «قاعدة في دستور دبي غير المكتوب منذ عام 1833».

وفي المعنى النهائي، فإن سموه منح هذه «المبادئ» قوة القيم العليا. والقيم العليا هي جوهر أي شرعة وغاية كل دستور. أو هي، كما قال سموه، «الدستور غير المكتوب» الذي يجب أن يكون في جوهر عمل كل حكومة.

ثانياً، رغم صدور «مبادئ دبي الثمانية» و«وثيقة الخمسين» في نصين منفصلين، فإن بينهما ارتباط وطيد، يذكره سموه في مطلع الوثيقة الثانية، حيث يقول: «وتوجيهاتنا للجميع بالعمل وفقاً لهذه الوثيقة، ووفقاً لوثيقة المبادئ الثمانية التي أطلقناها أيضاً، ضماناً لاستمرار الرخاء، وديمومة الازدهار، وتسارع المسيرة».

أما كون الوثيقتين جعلتا من دبي موضوعاً لهما، فهذا لأن «مبادئ دبي الثمانية» حملت قيم دبي، فيما جاءت «وثيقة الخمسين» حاملة لوعودها. وقيم دبي ووعودها هي واحدة من أهم إسهامات الإمارة في الاتحاد، كانت دافعاً قادت إمارة دبي نحوه، وهي اليوم تدفعها إلى تعزيزه، وتوطيد أركانه.

ثالثاً، في الوثيقتين، كلتيهما، يعمد سموه إلى إبراز البعد الشخصي، فيبتدئ الأولى بـ«من محمد بن راشد آل مكتوم إلى كل من يتولى مسؤولية في إمارة دبي»، فيما يستهل الثانية بـ«من محمد بن راشد آل مكتوم إلى أهل دبي وساكنيها»، و«هذه الوثيقة التي بين أيديكم تمثّل عهدنا ووعدنا بالنيابة عن نفسي وعن الأسرة الحاكمة لدبي في ما سنقوم به تحسيناً لجودة الحياة».

وهذا البعد الشخصي، الذي تقوله الكلمات المختارة بعناية ودقة، يشي بمستوى الالتزام، الذي يأخذ طابعاً تاريخياً، يدرك صاحبه أنه من موقعه لا يدوّن كلماته على الورق، ولكن على صفحات التاريخ، وعلى وجه الحياة، وفي ضمائر الناس.

رابعاً، إن هاتين الوثيقتين، اللتين حملتا وعداً وعهداً، تحملان كذلك توجيهات للمسؤولين و«أمر عمل» ميدانياً، هو محل متابعة مباشرة من سموه، وكذلك هو برسم التنفيذ، وبرسم ما يستتبع ذلك من «مساءلة» و«محاسبة». وهو ما تؤكده «وثيقة الخمسين» بوضوح: «ولقد قسمنا هذه الوثيقة إلى 9 بنود، تسهيلاً للتنفيذ، والمتابعة، والمحاسبة».

الدولة والمجتمع

يسير في الوثيقتين خطان متوازيان، يتجسدان في الاستثمار بالاقتصاد، لا السياسة. وهذان الخطان المتوازيان يشكلان أثراً اقتصادياً، يكمن في جوهرهما الصريح والضمني؛ ففي الوثيقة الأولى «مبادئ دبي الثمانية»، هناك 5 من أصل 8 مبادئ ذات أثر اقتصادي مباشر وواضح، هي: «المبدأ الثالث: نحن عاصمة للاقتصاد»، حيث «هدف حكومة دبي وغايتها تحسين حياة الناس بتحسين الاقتصاد».

وحيث دبي «صديقة للمال والأعمال ومحطة عالمية لخلق الفرص الاقتصادية». و«المبدأ الرابع: النمو له محركات ثلاثة»، هي «حكومة ذات مصداقية ومرونة وتميز، وقطاع خاص نشط وعادل ومفتوح للجميع، وقطاع شبه حكومي ينافس عالمياً ويحرك الاقتصاد محلياً».

وفي هذه المبادئ يضع سموه أرضية أساس لبيئة اقتصادية جديدة غير تقليدية، على أساس إعادة تعريف دور الدولة ووظيفتها، والديناميكيات الخاصة بإدارة اقتصاد ازدهار ونماء.

ويتجسد هذا الأثر الاقتصادي كذلك في «المبدأ الخامس: مجتمعنا له شخصية متفردة»، حيث «هو مجتمع يتميز بكثرة العمل وقلة الجدل». و«المبدأ السادس: لا نعتمد على مصدر واحد للحياة»، حيث «تنويع الاقتصاد قاعدة في دستور دبي غير المكتوب منذ عام 1833». و«المبدأ السابع: أرض للمواهب». و«المبدأ الثامن: نفكر بالأجيال»، حيث «نستثمر لهم، ونخلق أصولاً استثمارية من أجلهم».

وهنا، يحدد سموه السمات الأصلية لمجتمع دبي، الذي صنع تجربتها في الازدهار والنماء، وكان جزءاً من هوية تجربتها، وشخصيتها، ويمكنه أن يواكب العهود الطموحة التي تضمنتها «وثيقة الخمسين»، والنمو على قاعدة «مبادئ دبي الثمانية».

حضارة وتجارة

وفي الوثيقة الثانية، هناك 8 من أصل 9 من بنود «وثيقة الخمسين» تحمل مثل هذا الأثر الاقتصادي، هي: «البند الأول: خط دبي للحرير»، حيث «قَدَر دبي أن تكون مطار العالم وميناءه الرئيسي» و«منطقة حضارة وتجارة». و«البند الثاني: رسم خريطة اقتصادية جغرافية لدبي»، حيث سيتم العمل «على وضع خريطة اقتصادية جغرافية لمدينة دبي وتحويلها إلى مناطق اقتصادية تخصصية ومتكاملة وحرة».

«البند الثالث: إنشاء أول منطقة تجارية افتراضية». و«البند الرابع: تطوير ملف تعليمي مركزي لكل مواطن»، فالهدف هو تعليمٌ يواكب التغيرات المتسارعة. و«البند السادس: تحويل الجامعات لمناطق اقتصادية»، حيث «إعلان جامعاتنا الوطنية والخاصة مناطق حرة تسمح للطلاب بممارسة النشاط الاقتصادي والإبداعي»، «الهدف ألا تخرِّج جامعاتنا طلاباً فقط، بل تقوم بتخريج شركات أيضاً وأرباب عمل».

ويتواصل الأثر الاقتصادي المباشر في «البند السابع: اكتفاء ذاتي من الماء والغذاء والطاقة في عُشر بيوت مواطنينا»، حيث الهدف هو «خلق قطاع اقتصادي جديد يدعم اكتفاءً ذاتياً من الطاقة والغذاء والماء في منازل السكان في دبي لمدة شهر على الأقل، بحيث تزيد لاحقاً». و«البند الثامن: إنشاء شركات تعاونية للمواطنين في مجالات الصحة والتعليم والغذاء وغيرها».

حيث الهدف هو «مضاعفة دخل المواطنين، وتحسين جودة بعض الخدمات عن طريق تخصيص بعض الخدمات العامة، بالإضافة لإنشاء شركات تعاونية يملكها المواطنون في مجموعة من القطاعات الحيوية والخدمات الأساسية». و«البند التاسع: تحقيق نمو سنوي في الأعمال الإنسانية يعادل ويواكب نمونا الاقتصادي».

أفكار مليئة بالأرقام

لقد أحال سموه في الوثيقة الثانية، «وثيقة الخمسين»، إلى «مدينة فاضلة كاملة، يحكمها القانون، وتسود فيها روح الرحمة والمحبة، ويعيش أهلها في انسجام وتسامح، وتتميز الحياة فيها بالسهولة والرخاء، وتتمتع أجيالها القادمة بالفرص والبيئة الحقيقية لتحقيق كافة أحلامهم وطموحاتهم».

وهذه الإشارة لا يجب أن تأخذنا إلى عالم اليوتوبيا؛ ليس لأن صاحب الوثيقة معروف ومجرّب بربطه القول بالعمل فقط، ولكن لأن الأفكار الواردة في الوثيقتين مليئة بالمحددات العملية، وتمثل برامج عمل واقعية، وفي «وثيقة الخمسين» تمتلئ الأفكار بالتوجيهات و«أوامر العمل» التي تقود إلى أرقام حاسمة، من شأنها أن تحدث فرقاً جذرياً بشكل الحياة في دبي.

إن الإحالة إلى «المدينة الفاضلة» ليست مصادفة في نص حمل رؤية سموه، فهو في مثل هذا المقام، معتنٍ باختيار مفرداته، يختارها لمعانيها الدقيقة ومغازيها الملهمة؛ فسموه بهذه الإحالة يستعيد الحلم الإنساني القديم، الذي لم يستطع الإنسان الاقتراب منه سوى عبر الفلسفة، ويستأنف هذا الحلم بوعد تحقيقه، ليكون واقعاً عيانياً على الأرض، وماثلاً في الحياة.

وفي الواقع، فإن هذه ليست الإحالة الوحيدة إلى لحظة من لحظات الوعي الإنساني، التي تضمنتها رؤية سموه في وثيقتيه الاستراتيجيتين؛ ففي الوقت الذي جاءت الإحالة صريحة إلى «المدينة الفاضلة»، فإن إحالة أخرى جاءت ضمنية.

وهي إحالة إلى نموذج تنموي واقعي قديم، يتمثل بمجتمع قرطاجنة العامل، الذي يعمل فيه الجميع في أوقات السلم، دون استثناء، ففي «البند السادس: تحويل الجامعات لمناطق اقتصادية وإبداعية حرة»، يؤكد سموه على إعلان الجامعات الوطنية والخاصة مناطق حرة تسمح للطلاب بممارسة النشاط الاقتصادي والإبداعي.

أفكار مليئة بالأرقام

وفي جانب آخر هام، يبرز في الوثيقتين البُعد الإنساني والاجتماعي؛ ففي الجانب الإنساني، ينطلق سموه من التأكيد على قيم التسامح والتعايش والعدالة ونبذ التمييز، حيث «لا فرق بين مواطن ومقيم، أو غني وفقير، أو ذكر أو أنثى، أو مسلم وغير مسلم، في تطبيق القانون».

ومجتمع أهله «يسوده الاحترام، ويربط كافة مكوناته التسامح، ويبتعد عن العنصرية والتمييز». وفي الجانب الاجتماعي، يبرز سموه التأكيد على أن «رفاه الشعب هدف حكومة دبي وغايتها تحسين حياة الناس بتحسين الاقتصاد»، وحول نمو «يحرك الاقتصاد محلياً، ويشكل للحكومة دخلاً وللمواطنين وظائف وللأجيال القادمة أصولاً».

وكذلك الحديث في «البند الخامس: طبيب لكل مواطن». هنا، «الربح» و«الكسب» ليسا الغاية النهائية ولا النتيجة الاستراتيجية، وليس المال بحد ذاته. ولكن الغاية النهائية والنتيجة الاستراتيجية هي في الاقتصاد والتنمية وتوطيد القيم دبي الأساسية، والأصلية، التي اختزلها سموه في «8 مبادئ وأسس قامت عليها دبي».

ويوصي بالالتزام بها «مهما كانت الظروف، أو تبدلت الأحوال، أو تغيرت الوجوه»، إذ «هي مبادئ حُكم وحكومة». ويبلور سموه في «مبادئ دبي الثمانية» رؤيته للسياسة فتتسع من «فن الممكن» إلى فن التعامل مع الممكنات والفرص، وفي الأثناء يحدد في أول هذه المبادئ، أولويات الاهتمام السياسي للإمارة، على نحو حاسم، فلا تكون شيئاً سوى: «الاتحاد هو الأساس».

 اقرأ أيضاً:

 اقتصاد الغد .. صُنع في دبي

دبي تربط مسارات التجارة العالمية «بحراً وجواً»

«المبادئ» .. محفّزات ومزايا غير مسبوقة للاستثمار

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات