عوائد السندات الأمريكية وواقع أوروبا الصعب

WhatsApp Image 2026-10-23 at 12.32.28 PM
WhatsApp Image 2026-10-23 at 12.32.28 PM

محمد العريان


في عام 1971، رد جون كونالي، وزير الخزانة الأمريكي آنذاك، على الشكاوى الأوروبية بشأن السياسة النقدية الأمريكية بعبارة بسيطة لا تُنسى: «عملتنا، ولكنها مشكلتكم». وبعد مرور خمسة وخمسين عاماً، وبالنظر إلى مدى تأثير التغيرات الكبيرة في الأوضاع المالية لأمريكا على بقية العالم، تحولت تلك المقولة إلى: «عوائدنا، ولكنها مشكلتكم!».
فقد شهدت عوائد الحكومة الأمريكية ارتفاعاً حاداً في الأشهر الأخيرة، حيث صعد سند الخزانة القياسي لأجل 10 سنوات عالمياً من مستويات منخفضة بلغت نحو 3.96 بالمئة في فبراير إلى 5.36 بالمئة في أوائل الشهر الجاري، وهو أعلى مستوى له في عقدين من الزمن. ويتداول حالياً عند نحو 5.10 بالمئة. في حين بلغ عائد سندات 30 سنة ذروته أخيراً عند مستوى لم يُسجل منذ عام 2002.
والأسباب الرئيسية وراء ذلك هو «المحركان المزدوجان» للديناميكية الأمريكية الحالية. الأول هو طفرة نمو القطاع الخاص المدفوعة بالتكنولوجيا وما يصاحبها من موجة إصدار سندات. والثاني هو عجز الميزانية الضخم والمستمر، بالتزامن مع الحاجة إلى إعادة تمويل الديون المستحقة، في وقت يتراجع فيه توفر الأموال من حائزي أدوات الدخل الثابت الأمريكي على المدى الطويل. وهما محركان كانا يعدان تقليدياً مصدرين موثوقين للتمويل.
وقد أدت مخاوف التضخم إلى تفاقم هذا الوضع، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الديزل وغيره من منتجات، وهو ما بدأ ينعكس على نطاق أوسع من الأسعار.
ونظراً لحجمها الهائل في المنافسة العالمية على تمويل السندات، فإن ما يحدث في سوق السندات الأمريكية لا يقتصر تأثيره عليها وحدها، بل يتجاوزها ليصل إلى دول أخرى، ليكشف في هذه الأثناء عن نقاط ضعف هيكلية.
وكما كان الوضع عليه في عام 1971، تستفيد الولايات المتحدة من «الامتياز الباهظ» لكون عملتها هي عملة الاحتياطي العالمي. كما أنها تستفيد من امتلاك أعمق نظام مالي تعتمد عليه الدول الأخرى في إدارة ثرواتها ومدخراتها.
وفي خضم هذه العملية، تجد بعض الدول الأوروبية نفسها في وضع أكثر سوءاً بسبب نقاط ضعفها الهيكلية. فالولايات المتحدة لم تكتف بجذب رؤوس الأموال من أوروبا بفضل قطاعها الخاص الأكثر ديناميكية وريادة للأعمال، أصبحت الآن تصدر ضغوطاً مالية عبر تكاليف الاقتراض التي تؤثر بدورها على الحكومات، والشركات، والقروض العقارية، والأسر.
وتعد فرنسا المثال الأبرز حالياً؛ فقد جعلتها المستويات المنخفضة للنمو والمناخ السياسي المحلي شديد الاستقطاب عرضة للخطر بشكل خاص قبيل الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. وقد أدى هذا المناخ السياسي -الذي يعرقل إجراء أي إصلاحات مالية- إلى ظاهرة استثنائية تاريخياً، حيث أصبحت السندات الصادرة عن دولة تعد من «قلب» منطقة اليورو تتداول عند مستويات تضاهي تلك الخاصة بدول «الأطراف»، الأقل استقراراً من الناحية الاقتصادية.
كما تشهد عوائد السندات في العديد من الدول الأوروبية الأخرى ارتفاعاً، ما يهدد بكشف نقاط ضعف هيكلية، لا سيما مع تزايد ضغوط التضخم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة. يضاف إلى ذلك احتمال انتقال هذه التداعيات مجدداً إلى الأسواق الأمريكية؛ ورغم أن هذا الأثر قد يبدو محدوداً، إلا أنه ينطوي على مخاطر نشوء حلقات مفرغة من الاضطرابات المالية المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وتأمل العديد من الحكومات الأوروبية في حدوث انخفاض ملموس في عوائد السندات الأمريكية. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا السيناريو الإيجابي، الذي يتطلب إجراء إصلاحات مالية جوهرية في أمريكا، يظل أمراً مستبعداً للغاية، رغم كونه مرغوباً فيه. وفي الواقع، إذا انخفضت العوائد، فمن المرجح أن يكون ذلك ناتجاً عن هبوط اقتصادي أمريكي حاد من شأنه أن يقوض الطلب والتجارة العالمية بشكل مباشر، ما يزيد احتمالية حدوث موجة جديدة من الرسوم الجمركية والقيود. ومن شأن ذلك أن يلحق بأوروبا أضراراً تفوق بكثير تأثير العوائد المرتفعة الحالية.
لذا، لا يمكن لأوروبا، شأنها شأن بقية العالم، أن تنتظر ضعف الاقتصاد الأمريكي ليأتي لإنقاذها، ولا ينبغي لها ذلك. كما لا ينبغي للحكومات أن تعتمد على بنوكها المركزية، وهو ما اقترحته زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا، مارين لوبان، في مقابلة أجرتها أخيراً مع صحيفة «فاينانشال تايمز».
إن السبيل الوحيد لتقليل الخطر الحقيقي والقائم المتمثل في تصاعد الضرر الاقتصادي يكمن في التركيز على توليد نمو وإنتاجية أعلى، بما في ذلك الحد من البيروقراطية التنظيمية، واستكمال خطط الاتحاد السوقي لرساميل الاتحاد الأوروبي لبناء سوق متكاملة في مختلف أنحاء التكتل، وتسريع وتيرة تحديث البنية التحتية والابتكار، وتوسيع نطاق الشركات الناشئة الواعدة. وكلها خطوات من شأنها أيضاً تقليص تدفق المدخرات المحلية الأوروبية نحو الأطلسي لتمويل قطاع التكنولوجيا الأمريكي. فضلاً عن ذلك، تحتاج الدول إلى تنفيذ تعديلاتها المالية الخاصة، بما في ذلك إصلاحات الموازنة الداعمة للنمو.
وما يشهده قطاع أسواق السندات العالمية يعد تذكرة لمرة أخرى بأن عصر الاعتماد على السخاء المالي الأمريكي أو بيئة أسعار الفائدة العالمية المكبوحة بشكل مصطنع قد انتهى. وعليه، يتعين على صانعي السياسات في أوروبا، فضلاً عن سائر المناطق الأخرى، التحرك بناءً على إدراك حقيقة أنه رغم نشأة صدمة العوائد الحالية في الولايات المتحدة، إلا أنه يتوجب عليهم تصميم وتطبيق الحلول على الصعيد المحلي. وإن لم يفعلوا، ستظل سوق السندات الأمريكية مشكلتهم الخاصة، وستتحول إلى مشكلة باهظة التكلفة بشكل متزايد.