البنوك المركزية.. «مايسترو» السيولة في مسرح الأسواق العالمية

في أروقة البنوك المركزية، لم يعد الصمت يعني السكون، بل أصبح ضجيجاً إلكترونياً لمليارات الدولارات التي تخلق بضغطة زر، تخيل البنك المركزي كأنه «مايسترو» يدير إيقاع السيولة في مسرح الأسواق، فبينما يرى المتفائلون في تضخم ميزانيته العمومية حصناً منيعاً يحمي العملة الوطنية من العواصف، يرى المتشككون أن ذلك إشارة إنذار لانخراط مفرط في ترميم تصدعات هيكلية لا تعالجها الأموال وحدها.

تاريخياً، كانت ميزانيات البنوك المركزية «حقائب خفيفة» لا تتجاوز نسباً ضئيلة من الناتج المحلي، لكن منذ زلزال الأزمة المالية 2008، وإعصار جائحة «كوفيد 19»، تحولت هذه الميزانيات إلى «مخازن ضخمة» تكدست فيها الأوراق المالية والعملات الصعبة، ما غيّر قواعد اللعبة الاقتصادية تماماً، وحوّل المايسترو من مراقب للإيقاع إلى أكبر عازف في الفرقة.

وفي الحالات الطبيعية تكون «حقيبة سفر» خفيفة وتحتوي على ما يكفي فقط لإدارة المعاملات اليومية، أما في «التيسير الكمي»، فيبدأ البنك المركزي بحشو الميزانية بكل ما يجده في السوق من أصول، حيث يتوجه للسوق ويشتري سندات حكومية أو ديون شركات من البنوك، فتتضخم ميزانيته، وتتحول الحقيبة من أداة لتسهيل الرحلة إلى حمل ثقيل ينوء به كاهل الاقتصاد.

فقاعات وعجز

لا تذهب السيولة المهولة التي ضخها المركزي دائماً لرفع أجور العمال، بل غالباً ما تتدفق نحو البورصات والعقارات، ما يفسر الصعود القياسي في أسواق الأسهم بينما يعاني الاقتصاد الحقيقي من الركود، وعندما يشتري البنك ديون الحكومة بشكل مستمر، فإنه فعلياً يمول إنفاقها، ما قد يؤدي لسياسات مالية مفرطة في الإنفاق اعتماداً على أن «المايسترو» سيمول العجز دائماً.

التحول الكبير

عندما تبدأ الضغوط التضخمية في الظهور (كما حدث بعد جائحة كوفيد 19)، يضطر «المايسترو» لتغيير الإيقاع والبدء في التشديد الكمي، وهو عكس التيسير تماماً، حيث يتوقف البنك المركزي عن إعادة استثمار أموال السندات التي حان موعد استحقاقها، أو يبيعها مباشرة في السوق، ليسحب الأموال من النظام المالي لتقليل المعروض النقدي وكبح التضخم.

مصل الإنقاذ

تضخم الميزانية العمومية ليس مجرد إجراء محاسبي، بل هو ترياق اضطراري يُحقن في شرايين النظام المالي المتداعي، فبينما ينجح هذا المصل في انتشال الجسد الاقتصادي من سكرات السكتة القلبية، إلا أن الإفراط في تعاطيه يحوله من علاج منقذ إلى قيد مُكبل، فيستكين الاقتصاد لهذا الدفق المستمر من الأموال السهلة، ويصبح مدمناً على سيولة اصطناعية لا تقوى أطرافه على الحركة من دونها.

ضريبة الصحوة

عندما يدق ناقوس العودة إلى الانضباط، وتشرع البنوك المركزية في رحلة التشديد الكمي لتجفيف منابع تلك الوفرة، تبدأ نوبات الانسحاب القاسية، فتضطرب الأسواق كأنها تفقد توازنها فوق حبل مشدود، ويتحول سحب السيولة إلى عملية جراحية دقيقة في قلب الاستقرار المالي، فكلما تضخم حجم البالون زاد احتمال انفجاره عند محاولة تفريغه، بدلاً من انكماشه بهدوء.

هيمنة ثنائية

تقف الصين والولايات المتحدة «جنباً إلى جنب» في سباق محموم على المركزين الأول والثاني عالمياً (بعد استبعاد تكتل اليورو)، حيث بلغت أصول الأولى نحو 6.62 تريليونات دولار، بينما تلتها أمريكا بـ6.58 مليارات دولار، ورغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، تحتفظ المملكة المتحدة بمكانتها، حيث يدير بنك إنجلترا أصولاً بقيمة تريليون دولار.

ثقل سويسري

على عكس البنوك المركزية التقليدية التي تكتفي بشراء السندات الحكومية، يتصرف البنك المركزي السويسري كأنه مستثمر عالمي، حيث يمتلك محفظة أسهم ضخمة، فضلاً عن أصول مالية أخرى من مختلف الدول، لكن تضخم ميزانيته ناتج عن محاولة كبح قوة الفرنك وحماية قطاع التصدير من الضغوط الخارجية.

استثناء ياباني

تجاوزت الميزانية العمومية للبنك المركزي الياباني ناتج الدولة المحلي الإجمالي بنسبة كبيرة، فبينما تحاول البنوك المركزية الأخرى تقليص ميزانياتها، ظل البنك الياباني لسنوات يشتري السندات الحكومية بقوة للحفاظ على أسعار فائدة منخفضة جداً.

الأسواق الناشئة

يعكس تقلد الهند والبرازيل مراكز متقدمة في القائمة الدولية تحولاً جذرياً في موازين القوى النقدية، حيث لم يعد تضخم الميزانيات العمومية حكراً على البنوك المركزية الكبرى في الغرب، فقد بلغت أصول البنك المركزي الهندي 911.4 مليار دولار، بينما سجلت البرازيل 898.2 مليار دولار.

حضور عربي

على الصعيد الإقليمي، تبرز القوة المالية للبنوك المركزية العربية كصمام أمان للاقتصادات النفطية والناشئة في المنطقة، حيث تصدرت السعودية المشهد بإجمالي أصول بلغ 515.0 مليار دولار، تلتها الإمارات بقيمة 275.5 مليار دولار، في ظل استراتيجية دقيقة لتعقيم الفوائض المالية وتوجيه السيولة نحو مشاريع التحول الاقتصادي عبر الصناديق السيادية.