تدور معركة محتدمة بين أكبر اقتصادين في العالم على الفوز بحصة من سوق تصدير الطاقة، فالولايات المتحدة تسعى لأن يشتري العالم وقودها الأحفوري، بينما تريد الصين بيع تقنياتها في مجال الطاقة النظيفة للعالم.
فالطاقة أصبحت محور صراعٍ متصاعد بين أكبر اقتصادين في العالم الولايات المتحدة والصين بينما تقف الدول الإفريقية في قلب هذا الصراع.
القارة الإفريقية غنية بالمعادن والعناصر الحيوية مثل الليثيوم، والعناصر الأرضية النادرة، والكوبالت، والتنغستن وهي ضرورية لصناعة وتشغيل التكنولوجيا الشخصية التي نستخدمها.
كما تُعد هذه المواد أساسية في مجالاتٍ أوسع، من السيارات الكهربائية إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى أنظمة الأسلحة.
لطالما كانت الصين اللاعب الأكبر في السوق العالمية للمعادن والعناصر الحيوية. فهي تمتلك احتياطاتٍ كبيرة داخل أراضيها، بالإضافة إلى وصولها إلى موارد خارجية بفضل استثماراتٍ ضخمة في عمليات تعدين أجنبية لا سيما في إفريقيا.
كما بنت بكين موقعًا مهيمنًا في مجال معالجة الإمدادات العالمية من هذه المواد، وقد أثارت قلق الولايات المتحدة بتهديدها بتقييد الصادرات. وهذا ما أضفى مزيدًا من الإلحاح على مساعي واشنطن لتعزيز وصولها إلى المعادن والعناصر الحيوية، حيث تُعد الاحتياطات الإفريقية مفتاحًا أساسيًا لتحقيق هذا الهدف.
وقد بلغ الأمر حدًّا جعل الولايات المتحدة تتجاوز الصين بهدوء لتُصبح أكبر مستثمرٍ أجنبي مباشر في إفريقيا، بحسب أحدث الأرقام السنوية، بحسب "بي بي سي" البريطانية
فقد استثمرت الولايات المتحدة 7.8 مليارات دولار في إفريقيا عام 2023، مقارنةً بـ4 مليارات دولار من جانب الصين، وفقًا لمبادرة أبحاث الصين وإفريقيا في جامعة جونز هوبكنز التي استندت إلى بياناتٍ رسمية.
وهذه هي المرة الأولى منذ عام 2012 التي تستعيد فيها الولايات المتحدة الصدارة.
وكالة التمويل
يُقود هذا الاستثمار الأمريكي وكالة حكومية تُعرف باسم مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC)، وقد أُنشئت هذه المؤسسة في عام 2019 خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، وهي لا تخفي أن مهمتها تتعلق بمواجهة النفوذ الصيني.
لكن، ماذا يعني هذا الاستثمار بالنسبة للشركات والدول الإفريقية المستفيدة منه؟
في العام الماضي، حصلت شركة التعدين الرواندية ترينيتي ميتالز (TRINITY METALS) على منحة قدرها 3.9 مليون دولار من الـ DFC، للمساعدة في تطوير المناجم الثلاثة التي تملكها في البلاد، والتي تُنتج القصدير والتنتالوم والتنغستن.
يقول رئيس مجلس إدارة الشركة، شون ماكورميك: "لقد كان دعم الحكومة الأمريكية لما نقوم به كبيرًا، من حيث السعي لجلب سلسلة الإمداد هذه مباشرةً إلى الولايات المتحدة".
وتُرسل شركة ترينيتي الآن التنغستن من رواندا إلى مصنع معالجة في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، كما أبرمت صفقة أخرى لإرسال القصدير الرواندي إلى مصهر في الولاية نفسها.
وينفي ماكورميك أن التمويل القادم من واشنطن هو الذي أثّر في قرار الشركة إرسال الإمدادات إلى الولايات المتحدة، موضحًا: "لم تقل لنا الحكومة الأمريكية، للرئيس التنفيذي ولي أنا، (هل يمكنكم من فضلكم إرسال التنغستن إلى أمريكا؟) — كان هذا قرارنا نحن، بصفتنا فاعلين في السوق التجارية".
تملك الحكومة الرواندية حصة قدرها 5% في شركة ترينيتي، كما تُعد شركة الاستثمار الأيرلندية تك مِت (TECHMET) المتخصصة في المعادن الحيوية من بين المساهمين أيضًا.
ويضيف ماكورميك أن بعض عمليات التعدين في إفريقيا قد تستخدم عمالًا غير مدربين يعملون في ظروف خطيرة، لكن ترينيتي تتبع أعلى المعايير، قائلاً: "لقد أثبتنا أن هناك طريقة لإنتاج هذه المواد بطريقة خالية من الصراعات، وخالية من عمالة الأطفال، وبأسلوب احترافي، مع دفع الضرائب واحترام المجتمع والبيئة، وخلق فرص عمل وفرص جديدة."
الدفاع عن المصالح
وقالت سيبو هايهامبو هي خبيرة اقتصادية ومسؤولة تنفيذية سابقة في مجموعة إف إن بي ناميبيا (FNB NAMIBIA) المصرفية أن على الدول الإفريقية أن تكون حازمة في الدفاع عن مصالحها الوطنية عند التفاوض مع الكيانات الأمريكية، وألا تتوقع أي معاملة تفضيلية.
و،ضافت: من غير الواقعي أن نتوقع من الأمريكيين أن يأتوا إلى طاولة المفاوضات ويقترحوا بنودًا تصب في مصلحة إفريقيا نيابة عنها، لذلك على إفريقيا أن تُحضّر نفسها جيدًا لمثل هذه اللقاءات، وأن تكون واضحة جدًا بشأن النتائج التي تريد تحقيقها".
وتشير هايهامبو إلى أن على الحكومات الإفريقية الابتعاد عن صفقات "النقد مقابل المعادن" التقليدية، قائلة: "هناك فرصة للنظر في أطر مختلفة بدلاً من ذلك".
وتتابع: "يمكن النظر في اتفاقيات تقاسم الإنتاج، أو نماذج المشاريع المشتركة، أو مشاركة رأس المال المحلي. في نهاية المطاف، هذا يفتح الباب أمام الدول الإفريقية لإنشاء صناديق ثروة سيادية يمكنها الاستثمار لاحقًا في مجالات التنمية مثل التعليم والرعاية الصحية وغيرها."
كما تؤكد هايهامبو على ضرورة أن يتم المزيد من عمليات معالجة المعادن والمعدنيات داخل القارة الإفريقية، بدلاً من تصدير الخامات إلى الخارج، لأن ذلك سيكون أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
إحدى الشركات الأمريكية التي تبني مصفاة لمعادن وعناصر حيوية في إفريقيا هي شركة ري إليمِنت إفريقيا (REELEMENT، وهي شركة تابعة لمجموعة أمريكان ريسورسيز الأمريكية. تقوم ري إليمِنت إفريقيا حاليًا بإنشاء المصفاة في مقاطعة غاوتينغ بجنوب إفريقيا.
قيمة أكبر
وقال بن كينكيد، الرئيس التنفيذي للشركة: كان من المجزي للغاية أن ندرك إمكانية التعاون مع الدول الإفريقية لإنشاء مرافق التكرير بالقرب من مصادر المواد الخام في مشاريع التعدين، بحيث يمكننا فعليًا تحقيق قيمة أكبر، وتأهيل العمالة المحلية، وبناء اقتصاد حول تلك المنطقة، ووضع الأساس لمزيد من التطور الصناعي".
ومع ذلك، يرى لي برانستِتر، الخبير الاقتصادي الدولي في جامعة كارنيغي ميلون في بيتسبرغ، أن الولايات المتحدة قد أضاعت فرصة مهمة.
ويُشير إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترامب على الدول الإفريقية قلّلت من الحماس تجاه الولايات المتحدة عبر القارة، في وقتٍ اشتكى فيه بعض سكان دول إفريقيا من أن الاستثمارات الصينية لا تفيد السكان المحليين بالقدر الكافي.
ويقول البروفيسور برانستِتر:" لو لم تقم الإدارة الأمريكية الحالية بفرض رسوم جمركية عشوائية على عدد كبير من الدول الإفريقية دون سبب واضح، لكانت الولايات المتحدة في موقعٍ أفضل للاستفادة من حالة التذمّر الإفريقي تجاه المشاريع الصينية".
أما سيبو هايهامبو، فتضيف أن المنافسة في إفريقيا بين الولايات المتحدة والصين قد تشهد تصاعدًا من أطراف أخرى أيضًا، مشيرةً إلى تزايد اهتمام دول مثل البرازيل والهند واليابان بالقارة الإفريقية.
