نوت ودي كوس يتنافسان على رئاسة البنك المركزي الأوروبي خلفاً للاغارد

بروكسل - رويترز
دخل السباق على رئاسة البنك المركزي الأوروبي مرحلة جديدة، مع ترشيح هولندا وإسبانيا اثنين من أبرز الخبراء المخضرمين في العمل المصرفي المركزي لخلافة كريستين لاغارد، في منافسة تجمع بين كلاس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام لبنك التسويات الدولية، وسط ترقب لاختيار الشخصية التي ستقود السياسة النقدية لمنطقة اليورو خلال مرحلة تتسم بتحديات اقتصادية ومالية متشابكة.
ورشحت إسبانيا دي كوس، في حين دفعت هولندا باسم نوت، على أن تتولى مجموعة اليورو، التي تضم وزراء مالية دول المنطقة، مراجعة الترشيحين خلال اجتماعها المقرر في 9 نوفمبر الجاري، وفقاً لما أعلنه رئيس المجموعة كيرياكوس بيراكاكيس.
ويتمتع المرشحان بخبرة واسعة في إدارة الأزمات المصرفية والمالية، كما أمضى كلاهما سنوات في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي أو في مواقع وثيقة الصلة به، ما يعكس توجهاً نحو الحفاظ على استمرارية النهج المؤسسي والسياسات النقدية الحالية، بصرف النظر عن هوية الرئيس المقبل.
ولا يتوقع مراقبون أن يؤدي تغيير القيادة إلى تحول جوهري في توجهات البنك على المدى القريب، إذ تظل قرارات السياسة النقدية نتاج توافق داخل مجلس المحافظين، وليس انعكاساً لرؤية الرئيس وحده.
وفي هذا السياق، قالت مودوبي أدغبيمبو، من مؤسسة «جيفريز»، إن نوت يُنظر إليه باعتباره أكثر ميلاً إلى التشدد النقدي، مقابل توجه أكثر ميلاً إلى التيسير لدى دي كوس، لكنها حذرت من المبالغة في تقدير الفروق بين المرشحين، مشيرة إلى أن البنك المركزي الأوروبي مؤسسة قائمة على التوافق، وأن تغيير الرئيس وحده لن يؤدي إلى تعديل جوهري في آلية اتخاذ القرارات أو الاستجابة للظروف الاقتصادية.


ضغوط التضخم والديون
ويأتي التنافس على المنصب في وقت يواجه فيه البنك المركزي الأوروبي ملفات حساسة، تتقدمها ضغوط التضخم ومسار أسعار الفائدة، إلى جانب تصاعد المخاوف بشأن استدامة الديون السيادية في بعض اقتصادات المنطقة، ولا سيما فرنسا.
وتثير الأوضاع المالية الفرنسية قلق الأسواق، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، في ظل صعوبة تمرير إجراءات مالية قد تكون ضرورية لاحتواء عجز الموازنة وتضخم الدين العام. ويخشى مراقبون أن يؤدي تراجع ثقة المستثمرين في السندات الفرنسية إلى انتقال الضغوط إلى أسواق ديون أوروبية أخرى تعاني بدورها هشاشة مالية.
وسيجد الرئيس الجديد نفسه أمام مهمة إدارة هذه المخاطر، في وقت يشهد فيه مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي تغييرات متلاحقة في عدد من المواقع الرئيسية، إذ تغادر إيزابيل شنابل، المسؤولة عن العمليات السوقية، منصبها في 3 يناير المقبل، في حين تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في 31 مايو.


التوازن بين الجنسين يعقّد الحسابات
ولا تقتصر حسابات اختيار الرئيس المقبل على الخبرة والتوجهات النقدية، إذ يبرز التوازن بين الجنسين عاملاً إضافياً قد يؤثر في توزيع المناصب العليا داخل البنك، فلا تضم هيئة صنع القرار المكونة من 27 عضواً سوى امرأتين، هما لاغارد وشنابل، وكلتاهما ستغادر منصبها.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن فرنسا تدرس ترشيح امرأة لشغل أحد المناصب القيادية، في حين لم تعلن دول أخرى حتى الآن عن مرشحات محتملات. ورغم أن البرلمان الأوروبي لا يمتلك حق النقض على التعيينات، فإنه سبق أن عرقل بعض الترشيحات بسبب مخاوف تتعلق بضعف تمثيل النساء.
وتكتسب مواقف فرنسا وألمانيا أهمية خاصة في هذه المرحلة، بالنظر إلى تأثيرهما في توزيع المناصب الرئيسية. ويرى اقتصاديون أن حصول فرنسا على منصب كبير الاقتصاديين قد يعزز فرص نوت في رئاسة البنك، بما يحقق توازناً بين التوجهات النقدية داخل المؤسسة. أما إذا آلت حقيبة كبير الاقتصاديين إلى مرشح ألماني، فقد ترتفع حظوظ دي كوس.
وتضيف ترشيحات نوت تعقيداً آخر إلى المشهد؛ إذ قد يضطر مواطنه فرانك إلدرسون، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، إلى مغادرة منصبه وفق الأعراف التي تمنع تمثيل الدولة نفسها بعضوين في المجلس. وقد يفتح ذلك الباب أمام إسبانيا للمنافسة على مقعد إلدرسون إذا لم ينجح مرشحها في الفوز بالرئاسة.
وبذلك لا يقتصر السباق على المفاضلة بين خبرتين مصرفيتين، بل يمتد إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل البنك المركزي الأوروبي، في مرحلة تتطلب قيادة قادرة على الموازنة بين استقرار الأسعار، ومخاطر الديون السيادية، وتماسك أسواق المال في منطقة اليورو.