ينعقد في العاصمة التايلاندية بانكوك، اليوم، الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في ظل بيئة اقتصادية عالمية بالغة التعقيد، حيث تتقاطع صدمات إمدادات الطاقة الناتجة عن اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز وتداعيات التوتر في باب المندب، مع تصاعد أزمات الدين العام العالمي وارتفاع أسعار الفائدة.
وتؤكد رؤية مجموعة البنك الدولي، على لسان رئيسها أجاي بانجا، أن الاقتصاد العالمي أظهر صموداً نسبياً بفضل التدفقات الهائلة لاستثمارات الذكاء الاصطناعي وتعديلات العرض والطلب على الطاقة، غير أن الضغوط بدأت تتزايد مجدداً على الاقتصادات النامية والناشئة التي تواجه أعباء ديون خارجية هائلة تتجاوز 400 مليار دولار في عام 2026. وفي هذا السياق، يواصل البنك الدولي مباحثاته المكثفة مع نحو ثلاثين إلى أربعين دولة لتقديم حزم تمويلية لمواجهة الأزمات وتفعيل استراتيجيات مبادلة الديون بالتنمية، فضلاً عن تعزيز تدفقات رأس المال الخاص التي تتركز غالبيتها في الأسواق متوسطة الدخل، بينما تظل شحيحة في الاقتصادات الأصغر والمنخفضة الدخل، وسط تحذيرات مشتركة من المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا من أن تضافر صدمات الغذاء والطاقة وظاهرة النينيو الخارقة يشكل تحديات غير مسبوقة تستوجب أقصى درجات الحذر الاقتصادي.
وقد ألقت التطورات الجيوسياسية والأمنية بظلالها الكثيفة على التغطيات الإعلامية العالمية، حيث رصدت كبرى وكالات الأنباء والصحف الدولية وفي مقدمتها «رويترز» و«بلومبرغ» تداعيات غياب بعض الشخصيات البارزة، مثل وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن اجتماعات بانكوك، واعتبر الإعلام الغربي أن هذا الغياب يعكس توترات محتملة بين الحلفاء وسط تعقيدات السياسات المالية والعقوبات الدولية المفروضة.
كما تناولت الصحف العالمية بحذر شديد الاتفاقات المتعلقة بالسحب من الاحتياطيات الطارئة للنفط والديزل وتأثيرات وقف إطلاق النار المؤقت في مجال الطاقة على الأسواق العالمية، مؤكدة أن هشاشة أسواق الطاقة تجعل الاقتصاد العالمي عرضة لأي هزات جديدة مفاجئة، مسلطة الضوء على المعضلة التي تواجه الدول النامية جراء ارتفاع تكاليف خدمة الديون التي باتت تستنزف نسبة ضخمة من إيراداتها العامة في ظل غياب الحماسة الدولية لإطلاق مبادرات شاملة لإعفاء الديون على غرار حقبة الجائحة.
وفي سياق قراءة الخبراء والمحللين الاقتصاديين لفعاليات اجتماع اليوم، والمستقبل القريب للاقتصاد العالمي، يرى جوش ليبسكي، نائب رئيس قسم الاقتصاد الدولي في المجلس الأطلسي، أن الترابط بين الأمن القومي والتمويل الدولي أصبح جلياً أكثر من أي وقت مضى، مؤكداً أن الأزمات الجيوسياسية الحالية في الشرق الأوسط ومضيق هرمز تفرض على صناع القرار التحرك بشكل استباقي ومرن للغاية للتكيف مع عالم فقد قواعده الاقتصادية التقليدية.
ومن جانبها، أشارت يولاندا فريسنيو، الخبيرة والباحثة في مجال العدالة المتعلقة بالديون لدى شبكة يوروداد، إلى أن استمرار صندوق النقد الدولي في فرض إصلاحات مشددة وشروط تقشفية عميقة يهدد استقرار الاقتصادات النامية ويفاقم موجات الاحتجاجات الشعبية الواسعة كما حدث في كينيا، محذرة من أن المؤسسات المالية الدولية تخاطر بفقدان مصداقيتها ما لم تبادر إلى إصلاح هياكل حوكمتها لتناسب حجم الأزمات الوجودية التي تعاني منها الدول النامية. ويجمع المحللون على أن جلسات اليوم ستشكل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام المالي الدولي على تقديم حلول هيكلية مستدامة تتجاوز المعالجات المؤقتة في عالم يزداد استقطاباً واضطراباً.






