صفقة بقيمة 111 مليار دولار تخنق الإبداع وتكلف الناس وظائفهم

يشهد قطاع الترفيه والإعلام الأمريكي حالة من الاستقطاب الحاد والجدل المالي والفني المتصاعد، عقب إصدار قاضٍ فيدرالي قراراً قضائياً أزال آخر العقبات القانونية أمام اندماج شركتي «باراماونت» (Paramount) و«وارنر بروس ديسكفري» (Warner Bros. Discovery) في صفقة ضخمة تناهز قيمتها 111 مليار دولار.

وفي وقت تتأهب فيه الأطراف لإتمام الصفقة رسمياً في السادس من أكتوبر، تفجرت موجة غضب واسعة في أوساط هوليوود والمجتمع الفني؛ إذ يقود النجم الأمريكي والناشط الهوليوودي مارك روفالو حملة رافضة بشدة للاندماج، مؤكداً في تصريحات نقلتها مجلة «فورتشن» أن هذه الصفقة التاريخية من شأنها أن «تخنق الإبداع، وتضعف حرية التعبير، وتكلف آلاف العمال والمبدعين وظائفهم»، داعياً إلى مواصلة المواجهة ضد التكتلات الاحتكارية العملاقة.

تأتي هذه المواجهة الفنية والقانونية بعدما أصدرت المحكمة قرارها بالاقتران مع تسوية قادها المدعي العام لولاية كاليفورنيا، روب بونتا، برفقة تحالف يضم 12 مدعياً عاماً للولايات الأمريكية.

وعلى الرغم من أن التسوية تضمنت بنداً يلتزم فيه الكيان الجديد بضخ نحو 1.5 مليار دولار إضافية في إنتاج الأفلام المحلية خلال خمس سنوات وتعهداً بإنتاج ما لا يقل عن أربعة أفلام مستقلة سنوياً، إلا أن النقاد والمبدعين يعتبرون هذه الوعود مجرد مسكنات مؤقتة لا تمس جوهر الخطر الاحتكاري.

وتُبرز انتقادات روفالو ومؤيديه من المخرجين والممثلين أن اندماج استوديوين بحجم باراماونت ووارنر بروس سيعيد تشكيل صناعة الترفيه بطريقة تكرس النفوذ المالي والسياسي لدى فئة محدودة من المليارديرات وكبار التنفيذيين في قطاعي التقنية والإعلام، ولا سيما مع الدعم المالي الضخم الذي يقدمه مؤسس شركة «أوراكل» لاري إيلسون وابنه ديفيد إيلسون، الرئيس التنفيذي لشركة باراماونت سكاي دانس.

وقد حظيت هذه التطورات بتغطية مكثفة من قبل وسائل الإعلام الاقتصادية والفنية الأمريكية، حيث تناولت كبرى الصحف والشبكات التداعيات الهيكلية للمشهد فمن جانبها، أشارت صحيفة «فوكس بيزنس» إلى أن موافقة القضاء الفيدرالي تفتح الباب لأكبر خطوة اندماج إعلامي في العصر الحديث، غير أنها تضع البث التلفزيوني والسينمائي أمام حالة من عدم اليقين بشأن التكلفة النهائية للمستهلكين، حيث يُتوقع أن ترتفع أسعار اشتراكات الكابل لمنصات البث التفاعلي مع تراجع حدة المنافسة.

بينما أوضحت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الصفقة تعكس رغبة الاستوديوهات التقليدية في مجاراة هيمنة شركات التكنولوجيا وخدمات البث التدفقي مثل «نيتفليكس»، لكنها تفرز في المقابل سوقاً محتكرة تقلص خيارات المشاهدين وتقيد مساحات التفاوض المتاحة لكتاب السيناريو والمخرجين.

وفي السياق ذاته، أبرزت مجلة «ذا وراب» المتخصصة في صناعة الترفيه موقف مارك روفالو الصارم، مشيرة إلى أنه اتهم إدارة باراماونت بالتنصل من المساءلة والتغطية على المخاوف الحقيقية للممثلين وصناع الأفلام، معتبراً أن الرأي العام لن يتراجع عن مواجهة ما وصفه بـ«المليارديرات الأوليغارش» الذين يدمرون التنوع الثقافي لحساب مكاسبهم المالية. وفي المقابل، أعربت شبكة «بلومبرغ» عن محاذيرها الاقتصادية تجاه تقليص الوظائف الشامل المتوقع عقب إتمام الاندماج يوم السادس من أكتوبر، حيث من المرجح أن تلجأ الإدارة الجديدة لدمج الأقسام الإدارية والإنتاجية وتصفيات واسعة للعمالة لتقليل أعباء المديونية المالية الضخمة الناتجة عن عملية الاستحواذ.

وعلى صعيد الآراء الفنية والقانونية، يتفق عدد من الخبراء الاقتصاديين والقانونيين على خطورة تجميع مثل هذه الأصول الاستوديوية الضخمة في كيان واحد. وفي تحليل قانوني للواقعة، قال البروفيسور آلان جارفيس، أستاذ قانون المنافسة ومنع الاحتكار بجامعة نيويورك، إن «إنهاء الدعوى الفيدرالية عبر اتفاقات وتسويات محلية لا يلغي حقيقة أننا أمام تركز غير مسبوق للسلطة الثقافية والإعلامية؛ إذ إن تقليص عدد الاستوديوهات الكبرى يستنزف قوة المساومة لدى النقابات العمالية ويمهد لفرض نمط إنتاجي موحد يخلو من التنوع».

وفي الاتجاه ذاته، أكدت الخبيرة الاقتصادية لورا مارشال، المحللة الاقتصادية البارزة في مركز «أبحاث وسائل الإعلام والسياسات العامة»، أن «تأثير هذه الصفقة سيتجاوز شباك التذاكر المباشر؛ فهو سينعكس فوراً على سوق العمل في هوليوود من خلال فرض هيكلة تقشفية وخفض أعداد المشاريع المستقلة، ناهيك عن منح ملكية المواد الفكرية وحرية التعبير لنفوذ شركات التكنولوجيا الداعمة للتمويل».

ومع الاقتراب من موعد التنفيذ الحاسم للاندماج في السادس من أكتوبر، تظل الحركة الاحتجاجية القادمة من أوساط فناني ومبدعي هوليوود مؤشراً إلى مرحلة طويلة من الشد والجذب بين التكتلات المالية الضخمة والقوى العمالية والإبداعية؛ مرحلة تسعى فيها الأسواق للبحث عن توازن مفقود بين التوسع التجاري وحماية التنوع الثقافي وحرية التعبير في الفن الأمريكي.