الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة السندات والنفط

عواصم - رويترز
أنهت الأسهم العالمية الربع الثالث من عام 2026 وسط مزيج من التفاؤل بقوة الاقتصاد الأمريكي واستمرار طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مقابل ضغوط متزايدة من ارتفاع عوائد السندات وأسعار النفط والتوترات الجيوسياسية. وبينما صعدت «وول ستريت» في ختام سبتمبر بدعم من بيانات تضخم أمريكية جاءت دون التوقعات، أنهت الأسهم الأوروبية الشهر على أول خسارة شهرية في ستة أشهر.
وبدأت الأسهم الأمريكية تعاملات الأربعاء، آخر جلسات سبتمبر والربع الثالث، على ارتفاع، بعدما أظهرت بيانات وزارة التجارة الأمريكية تباطؤ التضخم المقاس بمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس المفضل لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى 3.4% على أساس سنوي في أغسطس، مقابل توقعات عند 3.7%، بينما ارتفع المؤشر 0.3% على أساس شهري مقابل توقعات عند 0.4%.
ودفعت البيانات المستثمرين إلى خفض رهاناتهم على رفع الفائدة الأمريكية في أكتوبر، إذ تراجعت احتمالات الرفع إلى نحو 38% من أكثر من 50% قبل صدور البيانات، وفق بيانات الأسواق. كما ساعدت تصريحات رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون وليامز، التي أشار فيها إلى عدم وجود حاجة ملحة لاتخاذ إجراء إضافي، في تهدئة بعض الضغوط على عوائد السندات قصيرة الأجل.
وارتفع مؤشر داو جونز الصناعي 0.10% إلى 51,400.50 نقطة، وصعد «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.43% إلى 7,704.01 نقاط، فيما تقدم «ناسداك» 0.72% إلى 26,991.11 نقطة في بداية الجلسة.
واستفادت الأسواق من استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي، إذ أظهرت بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني نمواً مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي واستثمارات الشركات في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتضع هذه البيانات المستثمرين أمام معادلة معقدة: تضخم يتراجع بوتيرة أفضل من المتوقع، في مقابل اقتصاد لا يزال محتفظاً بقوة نمو قد تحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض الفائدة سريعاً.
الذكاء الاصطناعي في صدارة الاهتمام
قادت أسهم التكنولوجيا جانباً مهماً من مكاسب «وول ستريت» مع ارتفاع «ألفابت» بنحو 2.1% ومكاسب محدودة لأسهم «أمازون» و«أبل». وفي المقابل، تظل أسهم الذكاء الاصطناعي أمام اختبار يتعلق بقدرة الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والبنية التحتية على مواصلة دعم الأرباح والتقييمات.
وتترقب الأسواق نتائج «مايكرون تكنولوجي» بعد إغلاق التداولات، باعتبارها مؤشراً مهماً على الطلب على رقائق الذاكرة المرتبطة بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
وعلى صعيد الشركات، ارتفع سهم «بوينغ» 0.2% بعد اختيار الشركة لتطوير مقاتلة شبح من الجيل المقبل لصالح البحرية الأمريكية ضمن عقد تطوير بنحو 20 مليار دولار، بينما تراجع سهم «نورثروب غرومان» 3.8%.
وصعد سهم «هيوليت باكارد إنتربرايز» 4.4% بعد رفع توقعاتها لنمو إيرادات أعمال الشبكات وإعلان صفقة بقيمة 1.2 مليار دولار، في حين تراجع سهم «موديرنا» 5.8% بعد خفض «سيتي غروب» تصنيف السهم.
السندات.. مصدر القلق الأكبر
ورغم صمود الأسهم، ظلت سوق السندات محور القلق الرئيسي خلال الربع الثالث، فقد ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 81 نقطة أساس خلال الربع، في أكبر زيادة فصلية منذ 2022، ليصل إلى مستويات لم يشهدها السوق منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، فيما ارتفع العائد بأكثر من 47 نقطة أساس خلال سبتمبر.
وامتدت موجة ارتفاع العوائد إلى اليابان وأوروبا؛ إذ صعد عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات بنحو 42 نقطة أساس خلال الربع، في أكبر ارتفاع فصلي له منذ أكثر من عقدين، بينما اقتربت عوائد السندات الألمانية والفرنسية والبريطانية من أعلى مستوياتها منذ سنوات طويلة.
ويعكس ذلك ضغوطاً متزايدة على أسواق الدين نتيجة ارتفاع التضخم المرتبط بالطاقة، وتزايد إصدارات السندات الحكومية، وتدهور أوضاع المالية العامة في عدد من الاقتصادات الكبرى.
أول خسارة أوروبية في ستة أشهر
وفي أوروبا، أغلق مؤشر «ستوكس 600» منخفضاً 0.5%، الأربعاء، ليتحول من مكاسب مبكرة إلى خسارة في ختام الجلسة، مسجلاً تراجعاً بنسبة 2.5% خلال سبتمبر ونحو 1% خلال الربع الثالث، في أول انخفاض شهري له في ستة أشهر.
وضغطت عوائد السندات المرتفعة وأسعار الطاقة على شهية المخاطرة، فيما تراجعت معظم القطاعات. وهبطت أسهم البنوك والصناعة 0.8% و0.7% على التوالي، بينما سجل قطاع التأمين أكبر انخفاض بنسبة 1.4%.
وفي المقابل، ارتفع قطاع المرافق البريطاني 0.6%، مع صعود أسهم «بينون» و«إس إس إي» و«ناشيونال غريد» بين 2% و2.6%. كما قفز سهم «جريجز» 8.2% بعدما رفعت الشركة توقعاتها للأرباح السنوية.
وأظهرت البيانات الأوروبية في الوقت نفسه تسارع التضخم في ألمانيا إلى أعلى مستوى منذ ديسمبر 2023، بينما سجل التضخم ارتفاعات قوية في عدد من اقتصادات منطقة اليورو، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.
طوكيو تقود مكاسب آسيا
وفي آسيا، أنهت الأسواق جلسة الأربعاء على أداء متباين، بينما برزت بورصة طوكيو بقوة في ختام سبتمبر. وارتفع مؤشر «نيكاي 225» بنحو 1.94% إلى 66,753.72 نقطة، وصعد «توبكس» 1.67% إلى 4,108.65 نقاط.
كما ارتفع مؤشر «S&P/ASX 200» الأسترالي 0.92%، و«تايكس» التايواني 0.65%، فيما صعد «هانغ سنغ» في هونغ كونغ 0.37% إلى 24,613.27 نقطة، وزاد مؤشر شنغهاي المركب 0.31% إلى 3,842.20 نقطة.
في المقابل، تراجع «كوسبي» الكوري الجنوبي 0.48%، و«نيفتى 50» الهندي 0.42%، وانخفض مؤشر «ستريتس تايمز» السنغافوري 0.68%.
وجاء تحسن الأسهم الصينية بالتزامن مع عودة مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى منطقة النمو في سبتمبر عند 50.1 نقطة، مقابل 49.8 نقطة في أغسطس، ومع ذلك كان مؤشر «CSI 300» يتجه إلى تسجيل انخفاض فصلي بنحو 12.5%.
النفط يضيف ضغوطاً تضخمية
وظل النفط من أهم مصادر القلق بالنسبة للأسواق العالمية، إذ ارتفع خام برنت بنحو 14% خلال سبتمبر، متجهاً إلى أكبر مكسب شهري منذ يوليو، مع تعثر المحادثات الأمريكية الإيرانية واستمرار اضطرابات الإمدادات.
وفي أحدث تعاملات الأربعاء، ارتفع خام برنت لعقود نوفمبر بنحو 1% إلى 103.71 دولارات للبرميل، بينما صعد عقد ديسمبر الأكثر نشاطاً إلى 98.81 دولاراً، وزاد خام غرب تكساس الوسيط 2.2% إلى 91.98 دولاراً. وكان برنت في طريقه لتحقيق مكاسب شهرية تقارب 14%، مقابل نحو 5.5% للخام الأمريكي.
وتضيف أسعار الطاقة المرتفعة ضغوطاً جديدة على التضخم العالمي، في وقت تحاول فيه البنوك المركزية موازنة مخاطر التضخم مع الحاجة إلى دعم النمو.
الدولار والذهب والعملات المشفرة
وتراجع مؤشر الدولار بنحو 0.23% إلى 101.17، بينما ارتفع اليورو 0.19% إلى 1.1361 دولار، وانخفض الدولار أمام الين 0.31% إلى 156.79 يناً. ورغم التراجع اليومي، ظل الدولار متجهاً لتحقيق مكاسب شهرية تقارب 2%.
وارتفع الذهب الفوري 0.08% إلى نحو 4,184 دولاراً للأونصة، لكنه كان يتجه إلى تسجيل انخفاض شهري يقارب 6%. وفي سوق الأصول الرقمية، ارتفعت «بتكوين» بنحو 6% خلال سبتمبر إلى قرابة 83,915 دولاراً.
عاصفة السندات
وعلى مستوى الربع الثالث، تبدو الصورة أكثر تماسكاً بالنسبة للأسهم مقارنة بالسندات، فقد ارتفعت مؤشرات الأسهم العالمية الرئيسية بأكثر من 12% منذ بداية العام، وأصبحت على بعد نحو 2% من مستوياتها القياسية، مع إضافة نحو 3 تريليونات دولار إلى قيمتها خلال الربع الثالث، رغم الارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض وأسعار النفط والتوترات الجيوسياسية.
ويعكس هذا الأداء استمرار ثقة المستثمرين في نمو أرباح الشركات، خصوصاً شركات التكنولوجيا، وفي قدرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي على خلق موجة جديدة من النمو، إلا أن ارتفاع تكلفة التمويل بدأ يفرض اختباراً أكثر صعوبة على هذا التفاؤل، خصوصاً مع توسع شركات التكنولوجيا الكبرى في الاقتراض لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتدخل الأسواق الربع الرابع من 2026 وهي تراقب ثلاثة محاور رئيسية: مسار التضخم وأسعار الفائدة الأمريكية، اتجاه عوائد السندات الحكومية، وقدرة طفرة الذكاء الاصطناعي على مواصلة دعم أرباح شركات التكنولوجيا.
كما ستظل أسعار النفط والتطورات الجيوسياسية عاملاً حاسماً في توقعات التضخم العالمي، بينما ستوفر بيانات الوظائف والأسعار الأمريكية والأوروبية المقبلة إشارات إضافية إلى مسار السياسة النقدية خلال الأشهر الأخيرة من العام.