تتداخل الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية على نحو متسارع لتدفع بالأسواق المالية العالمية نحو مرحلة حرجة من عدم اليقين؛ حيث فرض التحرك المشترك والتنسيق النادر بين واشنطن وطوكيو حالة من الهلع والاستنفار في أروقة الإدارة الأمريكية وبنك اليابان للسيطرة على التراجعات المتواصلة في سعر صرف الين.
يعكس هذا الاستنفار مخاوف عميقة تجاوزت حدود التذبذب الطبيعي للعملات لتطال هيكل سوق السندات العالمية وسيولة الديون الدولية، في وقت تلتقي فيه الضغوط المالية مع تعقد المشهد الجيوسياسي، بدءاً من استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وتداعياتها على إغلاق مضيق هرمز وقفزات أسعار الطاقة، وصولاً إلى تحركات الإدارة الأمريكية للحد من التضخم عبر فرض حظر محتمل على صادرات الديزل.
وتشير وثائق وتسريبات وزارة الخزانة الأمريكية، بما فيها توجيهات الوزير سكوت بيسنت بشراء الين بقيمة ناهزت 10 مليارات دولار عبر بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك وبالتنسيق مع بنك اليابان، إلى أن انخفاض العملة اليابانية وتجاوزها حاجز 160 يناً للدولار أصبح يهدد بانتقال العدوى إلى أسواق الديون والأصول السيادية العالمية.
إن الجذور الأساسية لهلع الإدارتين الأمريكية واليابانية تعود بالدرجة الأولى إلى اتساع فجوة العوائد وتعمق ظاهرة «تجارة الفائدة» (Carry Trade)، التي تحولت من مجرد أداة استثمارية إلى قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار المالي. ورغم اتجاه بنك اليابان نحو التشديد النقدي وإنهاء الفائدة السلبية وصولاً إلى رفع الفائدة لتبلغ 1% في يونيو 2026، وتراجع فارق الفائدة مع الولايات المتحدة من أكثر من 5 نقاط مئوية إلى نحو 2.6 نقطة، إلا أن المستثمرين واصلوا اقتراض الين منخفض التكلفة لتمويل أصول ذات عوائد أعلى عالمياً.
وحين تقترب العملة من مستويات قياسية في الانخفاض، تبرز المخاوف الحادة من اضطراب مفاجئ يفرض تفكيكاً سريعاً وجمعياً لهذه المراكز الممولة بالين، والتي تُقدر مبالغها عبر الحدود بنحو 2.34 تريليون دولار.
إن أي ارتفاع حاد أو مفاجئ للين يقابله اندفاع المستثمرين لبيع الأصول الأجنبية المشتراة وتصفية مراكزهم، وهو السيناريو الذي اختبرت الأسواق مرارته في أغسطس 2024 ويعاد التلويح بظلاله اليوم في ظل ارتفاع مخاطر التضخم المستورد وصدمات الطاقة.
ارتبط هذا التوتر بملف أسعار الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية وديناميكيات سعر صرف الدولار. يمتلك المستثمرون اليابانيون نحو 2.4 تريليون دولار من الديون الأجنبية، وتعد اليابان أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية بحجم يبلغ 1.12 تريليون دولار.
وفي الوقت الذي وصل فيه عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات إلى نحو 3% لأول مرة منذ عقود، أصبحت السندات المحلية تتنافس بقوة مع الأصول الخارجية، مما دفَع المؤسسات والصناديق اليابانية لبيع صافي نحو 19 مليار دولار من السندات الأجنبية.
هذا التحول يعني أن سوق السندات الأمريكية يفقد تدريجياً أهم مشترياته التقليدية، في لحظة حرجة تقترب فيها العوائد الأمريكية من مستويات 5% نتيجة تجدد الضغوط التضخمية وتزايد احتياجات التمويل والعجز المالي لواشنطن. ومن هنا، يمتد الهلع الأمريكي إلى خشية احتراق سوق الدين الحكومي وزيادة تكاليف الاقتراض للشركات والخزانة، إذا ما اضطرت طوكيو إلى التخلي عن حيازاتها الدولارية لدعم عملتها، وهو ما استدعى تفعيل آليات مرنة مثل آلية إعادة الشراء الدائمة (FIMA) التابعة للاحتياطي الاتحادي لتقديم السيولة بالدولار لطوكيو دون اللجوء لبيع السندات الأمريكية مباشرة.
ولم تكن شركات التكنولوجيا الكبرى بمعزل عن هذه الهزة المالية الممتدة، بل باتت تشكل حلقة وصل رئيسة في منظومة التأثر بحركة الين صعوداً وهبوطاً.
تعتمد شركات التكنولوجيا العالمية، ولا سيما القطاعات كثيفة رأس المال والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، على الاقتراض المباشر وغير المباشر المستفيد من تدفقات تجارة الفائدة وانخفاض أسعار الفائدة اليابانية التاريخية لتأمين تمويلات ضخمة بأسعار متدنية.
ومع هبوط الين إلى مستويات قياسية، ارتفعت ربحية استثمار هذه الأموال في أصول التكنولوجيا ذات العوائد المرتفعة، إلا أن انعكاس الحركة وارتفاع الين أو قفزات العوائد المحلية اليابانية يهددان برفع كلفة خدمة الديون وإرغام المحافظ الاستثمارية على بيع أسهم وسندات الشركات التكنولوجية لتغطية انكشافاتها بالين.
وفي الاتجاه المقابل، تعاني شركات التكنولوجيا من التضخم المستورد واضطراب سلاسل التوريد العالمية جراء أزمة الطاقة واحتجاز الإمدادات عبر مضيق هرمز، مما يضع استراتيجيات التمويل والإنفاق الرأسمالي للقطاع التكنولوجي تحت ضغط مزدوج يجمع بين ارتفاع كلفة الدين وتذبذب تقييمات العملة.
ويرى خبراء المال والاقتصاد الدوليون أن الساحة المالية تقف أمام مرحلة إعادة رسم هيكلية لخارطة تدفقات رؤوس الأموال؛ إذ يؤكد تحليل مؤسسة «رايستاد إنرجي» وخبراء «دي إن بي كارنيغي» أن حظر صادرات الديزل الأمريكية واضطرابات مضيق هرمز يغذيان تضخماً أفقياً يعقد مهمة البنوك المركزية، ويدفع الفائدة العالمية للبقاء مرتفعة، مما يضاعف الضغط على الين المعرض للتآكل أمام قوة الدولار النفطي.
وفي السياق ذاته، تشير تحليلات بنك التسويات الدولية وتقرير «جيه بي مورجان» إلى أن صدمات الطاقة الحالية تتزامن مع تغير بنيوي في سلوك صناديق التقاعد اليابانية وعلى رأسها صندوق «GPIF» الذي يدير 1.8 تريليون دولار، حيث تنزع هذه الصناديق لتوطين استثماراتها مع وصول العوائد المحلية لـ3%، مما يقلص السيولة المتاحة لأسواق الديون في أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة، ويجعل حركة الين مؤشراً حرجاً لقياس شهية المخاطرة وسلامة النظام المالي الدولي.
وقد أفردت الصحافة الاقتصادية العالمية واليابانية مساحات واسعة لمتابعة أبعاد هذه التحركات غير المسبوقة لإنقاذ العملة اليابانية وتطويق أزمتها؛ إذ أفادت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية بأن الفيدرالي الأمريكي ينفذ عمليات شراء للين نيابة عن الخزانة لمنع انهيار منظومة الديون الأجنبية.
ورصدت صحيفة «جابان توداي» اليابانية تفاصيل المحادثات العاجلة بين وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما ووزير الخزانة الأمريكي، معتبرة أن التصريحات المشتركة تعكس قلقاً رسمياً بالغاً من انعكاس تدهور الوضع المالي على استقرار الاقتصادين.
ومن جانبها، أبرزت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية خطورة اتساع تجارة الفائدة بالين، مؤكدة أن فك هذه الصفقات بشكل مفاجئ قد يسبّب هزة لأسهم التكنولوجيا وسوق السندات السيادية على حد سواء.
فيما نقلت وكالة «رويترز» أن المستثمرين اليابانيين يكثفون مبيعاتهم للدين الخارجي مع قفز العوائد المحلية لمستويات غير مسبوقة منذ تسعينيات القرن الماضي.
وحذرت صحيفة «نيكي آسيا» اليابانية من أن استمرار ضغوط التضخم المستورد مع خطط رئيسة الوزراء ساناي تاكايشي لزيادة الإنفاق الحكومي والدفاعي سيضع المالية العامة لليابان تحت مجهر الأسواق، ويقلص قدرة بنك اليابان على الموازنة بين احتواء الدين ودعم الين.
تتجه آفاق المرحلة المقبلة نحو تحول متدرج وحذر؛ فمع توجه اليابان لتقليص مشتريات السندات ورفع خطط الإنفاق الحكومي لمساعدة الأسر والشركات المتضررة وتقديم الدعم لقطاعات الطاقة والدفاع، يقل دور البنك المركزي في كبح العوائد لتكون أكثر تعبيراً عن قوى السوق والمالية العامة.
ورغم أن التدخل المباشر والتنسيق الثنائي الأمريكي-الياباني سينجحان في لجم المضاربات الحادة ومنع الانهيار المباشر للعملة على المدى القصير، إلا أنهما لن يعالجا الاختلالات الهيكلية ما لم تتراجع الفجوة بين الفائدة اليابانية والعالمية.
وسيظل الاقتصاد العالمي وشرايينه التمويلية وفي مقدمتها سندات الخزانة الأمريكية وديون شركات التكنولوجيا تحت حدة التوتر، مع تراجع دور اليابان التاريخي كمصدّر مجاني للسيولة ورأس المال، ودخول الأسواق الدولية عصر المنافسة الشرسة على الاستثمار في ظل عالم تتجاذبه الأزمات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والدين.





