تشهد أسواق الطاقة العالمية تحولاً هيكلياً، يعيد تشكيل خارطة التجارة البحرية، حيث أدى النقص الحاد وغير المسبوق في ناقلات النفط العملاقة (VLCC)، إلى الشلل الشديد في تدفقات النفط الخام لمسافات طويلة، وفق ما أفادت به صحيفة «إيكونوميك تايمز»، نقلاً عن تقارير اقتصادية دولية.
هذا الشح في السفن، التي يعادل طول الواحدة منها ثلاثة ملاعب كرة قدم، جعل الشحنات الطويلة المدى غير مجدية اقتصادياً، في وقت تعاني فيه أسواق الوقود العالمية من ضغوط شديدة. وتُعزى هذه الأزمة المزدوجة إلى التداعيات الجيوسياسية المعقدة للصراع الأمريكي الإيراني، إلى جانب تحركات ورهانات ضخمة لرجال أعمال في قطاع الشحن البحري، ما دفع بأسعار إيجار الناقلات إلى أرقام قياسية غير مسبوقة، وصلت بأرباح الملاحة في مسارات رئيسة إلى أكثر من 1.2 مليون دولار يومياً للناقلات العملاقة.
إن الأرقام تعكس واقعاً مقلقاً لتجار النفط وشركات التكرير عبر القارات؛ فنقل شحنة واحدة من النفط الخام من موانئ هيوستن الأمريكية إلى الموانئ الآسيوية، بات يضيف نحو 26 دولاراً للبرميل الواحد، أي ما يعادل 52 مليون دولار للشحنة الواحدة، وهو رقم يشكل ما يقارب ربع التكلفة الإجمالية لعقود خام غرب تكساس الوسيط، مقارنة بنسب ضئيلة جداً قبل اندلاع الأزمة. هذه الارتفاعات الفلكية، أغلقت ما يُعرف بمسارات المراجحة، واضطرت مصافي التكرير في آسيا وأوروبا إلى إحداث تغيير جذري في استراتيجياتها التشغيلية.
وبدلاً من الاعتماد على الشحنات القادمة من الأمريكتين أو غرب أفريقيا، باتت المصافي تفضل الحصول على الإمدادات من مصادر أقرب جغرافياً، لتقليل تكاليف الشحن، كما ظهر في إقبال المصافي اليابانية على النفط الألاسكي، أو تحول مصافي آسيا لاستخدام ناقلات أصغر، مثل «أفراماكس» و«سويزماكس»، رغم ارتفاع أرباح هذه السفن هي الأخرى لتتجاوز 300 ألف دولار يومياً.
تأتي هذه الاختناقات اللوجستية، متزامنة مع احتدام أزمة الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة النفط العالمية. فمع انخفاض تدفقات النفط عبر المضيق، واستمرار التحذيرات من الألغام البحرية، واحتجاز الناقلات، اضطرت السفن المتجهة إلى الخليج العربي إلى تغيير مساراتها المعتادة، والإبحار آلاف الأميال حول القارة الأفريقية، للوصول إلى أسواق المحيط الأطلسي أو البحر الأبيض المتوسط، ما ضاعف من المسافات، واستنزف القدرة الاستيعابية لأسطول الناقلات العالمي. وقد تفاقم الوضع مع امتناع كبار المنتجين في المنطقة عن تقديم شحنات إضافية في العقود الآجلة المباشرة، ما دفع خام برنت المؤرخ في أوروبا إلى الارتفاع ليتجاوز 131 دولاراً للبرميل، نتيجة التكالب على البراميل القريبة جغرافياً.
وعلى الصعيد السياسي والجيوسياسي، ألقت تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بظلالها على أسواق النفط، حيث شدد ترامب في إحاطاته حول الحرب الإيرانية على ضرورة ضمان الملاحة البحرية، واستمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، معتبراً أن واشنطن لن تسمح لطهران بفرض أي رسوم أو قيود على عبور الناقلات.
وفي الوقت الذي أكد فيه ترامب أن أسعار الطاقة ستشهد انخفاضاً، بمجرد إنهاء النزاع، وإجبار طهران على شروط التفاوض، إلا أن تصريحاته المتشددة والتهديد بتطبيق نموذج حصار شبيه بسيناريو فنزويلا، زادت من تقلبات السوق، ورفعت من حالة عدم اليقين لدى شركات الملاحة العالمية.
ولم تتوقف معضلة الملاحة عند نقص السفن أو التوترات السياسية فحسب، بل اصطدمت بأزمة حادة في سوق التأمين البحري على السفن العابرة لمضيق هرمز.
فقد أدت المخاطر العسكرية المتصاعدة والتكهنات بوجود ألغام، إلى قفز أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات قياسية، وصلت في ذروتها إلى ما يقارب 10 % من قيمة السفينة الإجمالية.
وهذا الارتفاع الصاروخي، جعل تأمين الناقلات العملاقة التي تقدر قيمتها مئات ملايين الدولارات عبئاً مالياً، لا تطيقه معظم الشركات التجاريّة، ما دفع الحكومة الأمريكية للتدخل عبر تقديم ضمانات وتسهيلات إعادة تأمين بمليارات الدولارات، لمحاولة طمأنة شركات التأمين العالمية وتخفيض الكلفة، غير أن السوق المالي للبضائع البحرية، ظل يطلب علاوة مخاطر عالية، استمرت في إثقال كاهل المشترين النهائيين.
إن هذه المعطيات المتشابكة تكشف عن حقيقة مفادها أن أزمة الطاقة الراهنة لم تعد مجرد أزمة إنتاج أو معروض نفطي، بل تحولت إلى أزمة لوجستية، واختناق في سلاسل الإمداد البحرية.
وكما أشارت التحليلات الواردة في صحيفة «إيكونوميك تايمز»، فإن تكلفة الشحن والتأمين المرتفعة، لم تعد تفصيلاً ثانوياً في معادلة تسعير النفط، بل أصبحت محركاً رئيساً، يحدد اتجاهات التجارة العالمية، ويدفع نحو إعادة تشكيل خرائط الاستيراد والتصدير، وسط تخوفات مستمرة من أن تتسبب هذه الكلفة الباهظة في إغلاق مصافي التكرير للخطوط غير المربحة، وحدوث انكماش في الطلب العالمي، إذا ما استمر شح الناقلات، وتصاعدت حدة التوتر في الممرات البحرية الاستراتيجية.




