تصعيد «هرمز» وتصريحات ترامب يربكان الذهب والنفط

تعيش الأسواق المالية العالمية حالة من الترقب المشوب بالحذر الحاد، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية الهيكلية مع التصعيد الجيوسياسي غير المسبوق في منطقة الشرق الأوسط. ويتجه مشهد الاقتصاد العالمي إلى مسارات معقدة بفعل تباين حركة السلع الأساسية بين الضغوط التصحيحية على الذهب والتصاعد المتواصل لأسعار النفط الخام، محاطاً بارتفاع لافت في قوة الدولار الأمريكي وتقلبات حادة في عوائد السندات.

وتأتي هذه التطورات الميدانية والمالية بالتزامن مع تصريحات سياسية بارزة صادرة عن البيت الأبيض تناولت مستقبل الصراع الجاري مع إيران ومصير أزمة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، ما أضاف بعداً تحليلياً جديداً لتوقعات المحللين الاستراتيجيين في كبريات المؤسسات الاقتصادية.

وعلى صعيد المعادن النفيسة، شهدت أونصة الذهب ضغوطاً تصحيحية متزايدة دفعت بالأسعار للتراجع المؤقت، متأثرة بصلابة البيانات الاقتصادية في الولايات المتحدة واستمرار المخاوف من السياسات النقدية المشددة لمواجهة الضغوط التضخمية المتصاعدة.

ووفق ما أوردته شبكة «بلومبرغ»الإخبارية، فإن تزايد احتمال رفع أسعار الفائدة من قبل البنك الفيدرالي الأمريكي عزز عوائد السندات الحكومية، ما قلل من جاذبية المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً ومارس ضغطاً على أسعاره برغم دوره التقليدي كملاذ آمن في أوقات الأزمات.

كما أشارت وكالة أنباء الإمارات (وام) إلى أن الضغوط التصحيحية في سوق الذهب جاءت بالتوازي مع تماسك الأسواق المالية العالمية والتقييم المستمر لرؤوس الأموال في ظل ترقب بيانات أداء القطاعات التجارية ومعدلات نمو التضخم.

في المقابل، تخوض أسواق النفط مساراً صاعداً ومستقراً فوق المستويات القياسية وسط ترقب شديد لمستقبل إمدادات الطاقة العالمية ومخاطر التصعيد الإقليمي. فقد نقلت وكالة رويترز للأنباء أن أسعار النفط الخام حافظت على مكاسبها الحادة متأثرة بالمخاوف المتعلقة بأمن خطوط الإمداد والتصعيد الميداني المتنامي، حيث تجاوز سعر برميل خام برنت حاجز الـ 100 دولار.

وأوضحت المصادر أن تعطل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية أدى إلى فرض علاوة مخاطر عالية على الشحنات البحرية، ما ألغى تأثير أي بيانات اقتصادية قد تشير إلى تباطؤ الطلب العالمي على الطاقة. ويتزايد القلق في أسواق النفط إثر الحوادث الأمنية المتلاحقة في الممرات المائية الحيوية، خاصة بعد الهجمات الأخيرة التي طالت البنية التحتية للطاقة وخط أنابيب الشرق-الغرب في السعودية، إلى جانب تواتر التقارير عن استهداف سفن تجارية عند مدخل مضيق هرمز.

وتكشف هذه الأحداث الميدانية عن هشاشة سلاسل الإمداد ومخاوف اتساع رقعة المواجهة البحرية، وهو ما يرفع تكاليف التأمين والشحن البحري ويكرس حالة اللايقين لدى شركات الطاقة والمستوردين في مختلف أنحاء العالم.

وعلى صعيد أسعار الصرف، واصل الدولار الأمريكي صعوده القوي مقابل سلة العملات الرئيسية، وفي مقدمتها اليورو والين الياباني.

واستناداً لتقارير نشرتها شبكة «بلومبرغ»، فإن الارتفاع الملحوظ للعملة الأمريكية جاء مدعوماً ببيانات التوظيف القوية ومؤشرات التضخم المتصاعدة التي عززت توقعات الأسواق بتمسك البنك الفيدرالي الأمريكي بأسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول. هذا التفوق للدولار أعاد تشكيل خريطة التدفقات النقدية حول العالم، حيث تفضّل رؤوس الأموال العوائد المرتفعة بالدولار، ما زاد من الضغوط الاقتصادية على أسواق الدول النامية وعمّق من تكاليف استيراد الطاقة بالعملة الصعبة.

في منتصف هذه الدوامة الاقتصادية والميدانية، برزت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كمتغير محوري أثار اهتمام الأوساط السياسية والاقتصادية على حد سواء.

ففي تصريحات نقلتها صحيفة «هندستان تايمز» ووكالات أنباء دولية، رجّح الرئيس ترامب أن الحرب مع إيران ستنتهي «قريباً جداً»، مشيراً إلى أن الحسم قد يتحقق قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس أو بعدها مباشرة.

وأضاف ترامب في حديثه للصحفيين أن إيران تبدي رغبة شديدة في الوصول إلى اتفاق ينهي الصراع القائم. وحول تداعيات هذا الملف على أسواق الطاقة، أكد ترامب وفق ما نشرته صحيفة «ذا هيندو» - أن نهاية الحرب ستترافق مع تراجع حاد ومباشر في أسعار النفط والوقود، مشيراً إلى أن الأسعار «ستسقط كالصخرة» بمجرد التوصل إلى اتفاق واستعادة الاستقرار الملاحي.

وفيما يتعلق بأزمة الملاحة المشتعلة في مضيق هرمز والتطورات الإقليمية المصاحبة لها، أعرب الرئيس الأمريكي عن ثقته بأن الوضع في المنطقة وسلاسل الإمداد عبر الممر المائي الاستراتيجي «سيسير على ما يرام»، مفصحاً عن وجود اتصالات وتقاطعات في المواقف أظهرت عدم رغبة أطراف إقليمية مختلفة في خوض مواجهة مباشرة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.

من جهة أخرى، نقلت التقارير الصحفية ردود الفعل الإيرانية التي جاءت على لسان الرئيس مسعود بزشكيان خلال مشاركته في قمة بريكس، حيث أكد أن طهران لا ترغب في استمرار الصراع وتضع السلام على رأس أولوياتها، مشدداً في الوقت ذاته على أن أمن منطقة غرب آسيا والسلامة الإقليمية يجب أن يتحققا عبر دول المنطقة نفسها دون الحاجة إلى شرطي خارجي.

وتظهر هذه المواقف المتوازية وجود حالة من السباق بين الخيار العسكري والمشاورات الدبلوماسية الخلفية، وهو ما تراقبه الأسواق بشغف حذر للتنبؤ باتجاهات المرحلة المقبلة.

في الخلاصة، يقف المشهد الاقتصادي العالمي عند نقطة مفصلية تتنازع فيها التوازنات التقليدية؛ فبينما تحاول أسواق الذهب والعملات استيعاب الضغوط التضخمية وسياسات البنوك المركزية الصارمة، تظل أسعار النفط رهينة للتطورات الجيوسياسية الميدانية في مضيق هرمز ومسار الحرب الإيرانية-الأمريكية.

وبين توقعات ترامب بالانفراج القريب وتراجع الأسعار، وبين الواقع الميداني المشحون بالمخاطر، تظل حركة الأسواق المالية معلقة بما ستسفر عنه الأيام القادمة من تسويات سياسية أو تصعيد ميداني قد يعيد رسم الخارطة الاقتصادية برمتها.