هل يشعل «الهروب الكبير» للمستثمرين اليابانيين أزمة اقتراض أمريكية؟

أفصحت التحليلات والبيانات المالية الجارية عن سيناريو قاتم يهدد استقرار الاقتصاد الأمريكي، حيث كشفت عن احتمالية إقدام كبار حاملي الديون الأمريكية الأجانب، وعلى رأسهم اليابان، على التخلص من سندات الخزانة قريباً وإعادة تسييل أموالهم وضخها في أسواقهم المحلية. وتأتي هذه الخطوة المرتقبة بعد عقود طويلة مثلت فيها السندات اليابانية بيئة طاردة للمستثمرين بسبب عوائدها الضئيلة التي لامست النطاق السلبي، مما دفع الصناديق السيادية بطوكيو للبحث عن ملاذات مربحة في واشنطن. هذا التحول المفاجئ، الذي يصفه خبراء المال بـ «الهروب الكبير»، يهدد بقلب الطاولة على الموازنة الأمريكية إثر تسببه في ارتفاع حاد ومفاجئ لتكاليف الاقتراض داخل الولايات المتحدة. بحسب «بلومبرغ بيزنس - وول ستريت جورنال»

تمتلك المؤسسات والمستثمرون اليابانيون حالياً ما يقرب من تريليون دولار أمريكي من سندات الخزانة الحكومية الأمريكية، مما يجعل طوكيو الدائن الأجنبي الأكبر والمدماك الأساسي في هيكل الدين العام للولايات المتحدة.

تكمن الأزمة الفجائية في تغير السياسة النقدية التاريخية لبنك اليابان المركزي (BOJ)؛ إذ إن التخلي التدريجي عن سياسة الفائدة الصفرية ومحاربة الانكماش الاقتصادي بدأ يدفع العوائد المحلية اليابانية للارتفاع مجدداً. هذا التحول الهيكلي يجعل السندات الحكومية اليابانية (JGBs) جاذبة مجدداً للمستثمرين المحليين، ليس فقط بسبب العائد، بل لانعدام مخاطر التحوط من العملة التي كانت تأكل جزءاً كبيراً من أرباحهم عند الاستثمار في الدولار.

إذا قررت هذه الصناديق العملاقة -مثل صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي الياباني (GPIF) ومؤسسات التأمين الكبرى- بدء عمليات بيع منسقة واسعة النطاق لأصولها الأمريكية لإعادة التوطين النقدي، فإن السوق الأمريكية ستواجه فيضاناً من المعروض من السندات مقابل تراجع حاد في الطلب.

في أسواق المال، ترتبط أسعار السندات بعلاقة عكسية مع عوائدها؛ وعندما يبدأ كبار الدائنين بالتخلص من السندات، تنخفض أسعارها بشكل حاد، مما يجبر وزارة الخزانة الأمريكية على رفع «العوائد» (الفائدة) على السندات الجديدة لجذب مشترين آخرين لتمويل العجز الضخم في الميزانية الفيدرالية.

ارتفاع تكلفة الدين العام: ستضطر الحكومة الأمريكية لتخصيص جزء أضخم من ميزانيتها لخدمة فوائد الديون بدلاً من الإنفاق على البنية التحتية والخدمات، مما يرفع العجز التراكمي.

الضغط على قروض المستهلكين: ترتبط أسعار الفائدة على الرهون العقارية وقروض السيارات والبطاقات الائتمانية في أمريكا مباشرة بعائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات. بالتالي، فإن أي قفزة في عوائد السندات ستؤدي تلقائياً إلى قفزة في تكاليف الاقتراض للأفراد والشركات الأمريكية، مما يهدد بفرملة النمو الاقتصادي ويدفع نحو الركود.

تجد الإدارة الأمريكية والمصرف المركزي (الاحتياطي الفيدرالي) أنفسهما أمام خيارات أحلاها مر؛ فإذا تدخل الفيدرالي لتعويض غياب المشتري الياباني عبر طباعة النقود وشراء السندات بنفسه (ما يُعرف بالتيسير الكمي)، فإنه يخاطر بإشعال فتيل التضخم مجدداً وإضعاف القوة الشرائية للدولار.

أما السيناريو الآخر، فهو ترك السوق لتحدد الأسعار، مما يعني قبول واقع «الفائدة المرتفعة لفترة أطول»، وهو سيناريو يضغط بشدة على القطاع المصرفي الأمريكي الذي ما زال يعاني من تبعات الأصول غير السائلة وانخفاض قيم السندات القديمة في محافظه. إن تحول اليابان من «ممول سخي» للديون الأمريكية إلى «منافس شرس» على السيولة يمثل تحولاً جيواقتصادياً قد يعيد رسم خارطة النفوذ المالي العالمي، ويجبر واشنطن على إعادة النظر في سياسات الإنفاق غير المنضبطة.