حذّر عدد من الخبراء والمسؤولين التنفيذيين في مؤسسات مالية عالمية من تداعيات استمرار الحرب على الاقتصاد العالمي، مؤكدين أن الأثر لن يقتصر على تقلبات آنية في الأسواق، بل قد يمتد ليشمل تباطؤاً تدريجياً في النمو، وارتفاعاً في الضغوط التضخمية، مع إعادة توزيع واضحة للمكاسب والخسائر بين القطاعات والدول.
وأكدوا، لـ«البيان»، أن الحروب لا تدمر النمو الاقتصادي بالكامل، بقدر ما تعيد توزيعه بين القطاعات والدول، فيما يبقى الأثر النهائي مرهوناً بمدة النزاع وطبيعة تطوراته الجيوسياسية، أكثر من كونه انعكاساً للعناوين الإخبارية الآنية.
تأجيل قرارات
وقال حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، إن استمرار النزاع لفترة طويلة يرجّح أن يؤدي إلى تباطؤ في النمو العالمي بدلاً من صدمة فورية، موضحاً أن قنوات التأثير الرئيسية تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وتصاعد حالة عدم اليقين التي تدفع الشركات والمستهلكين إلى تأجيل قرارات الاستثمار والإنفاق.
وأشار إلى أن النزاعات الممتدة تضيف عادة ضغوطاً تضخمية، خصوصاً عبر تكاليف الوقود والخدمات اللوجستية، بالتزامن مع إضعاف وتيرة النمو، مع تفاوت الأثر بين الاقتصادات المستوردة للطاقة التي تتحمل الكلفة الأكبر، والدول المصدّرة التي تكون أكثر قدرة على امتصاص التداعيات. وأكد أن مدة النزاع تظل العامل الحاسم، إذ يكون تأثير الصراعات القصيرة محدوداً، بينما تؤثر التوترات المستدامة تدريجياً في التجارة والثقة وسلاسل الإمداد. تعتبر مدة النزاع العامل الحاسم هو مدة النزاع، فالصراعات قصيرة الأمد غالباً ما يكون تأثيرها الكلي محدوداً، في حين أن التوترات المستدامة يمكن أن تؤثر تدريجياً على التجارة والثقة وسلاسل الإمداد العالمية.
صدمة تضخمية
من جهته قال شيفكومار روهيرا، الرئيس التنفيذي لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في كلاي جروب، يتمثل الخطر الكلي الرئيسي على الاقتصاد العالمي، إذا طال أمد الحرب، في إمدادات النفط والغاز، على افتراض بقاء النزاع ضمن نطاقه وعدم تحوله إلى تصعيد إقليمي واسع، فأي اضطراب ملموس في الإمدادات سيُحدث صدمة تضخمية للدول المستوردة للطاقة، ما يؤدي إلى ضغط حاد على الدخول الحقيقية ويرجّح تباطؤاً ملحوظاً في النمو. وفي مثل هذا السيناريو، قد تضطر الحكومات إلى توسيع برامج الدعم وفرض سقوف سعرية، الأمر الذي قد يضعف الموازنات العامة ويضغط، في بعض الحالات، على العملات.
وأضاف، تبدو الولايات المتحدة في موقع أفضل نسبياً، باعتبارها مُصدّراً صافياً للطاقة إجمالاً (رغم استمرارها في استيراد النفط الخام، لا سيما من كندا والمكسيك). هذه المرونة النسبية قد تدعم تحولاً في تدفقات الاستثمار نحو تفوق أداء السوق الأمريكية مقارنة بالأسواق العالمية، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع قوة في الدولار، بعد نحو 14 شهراً من الأداء النسبي الأضعف.
ارتفاعات حادة
بدوره، أشار مادور كاكار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إيليفيت للخدمات المالية إلى أنه، في حال استمرار النزاع، فستتأثر الاقتصاديات العالمية بشكل رئيسي عبر أسعار الطاقة وثقة المستثمرين. وتظهر الأسواق ذلك بالفعل: فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، مع تعبير الأسواق عن مخاطر اضطراب الإمدادات، في حين فتحت المؤشرات العالمية للأسهم على انخفاض نتيجة تحول المستثمرين إلى موقف دفاعي. كما تعززت أسعار الذهب والفضة في بداية الجلسة، وحققت العملات الملاذ الآمن مثل الفرنك السويسري مكاسب، وهذه مؤشرات كلاسيكية على حالة «تجنب المخاطر» وليست ذعراً، لكنها تعكس إعادة تموضع رأس المال بسرعة.
قفزة أسعار النفط
وفي السياق ذاته، حذر فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، من الخطر الكبير على إمدادات النفط العالمية. وفي حال استمرار الحرب، مع استهداف البنية التحتية النفطية الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، قد ترتفع الأسعار إلى ما فوق 100 دولار للبرميل وهذا السيناريو من شأنه دفع التضخم العالمي إلى مستويات أعلى، مقابل تباطؤ في النمو الاقتصادي.
في أعقاب التصعيد، سجّل النفط أكبر قفزة له في 4 سنوات، حيث تجاوز خام برنت من 80 دولاراً للبرميل بعد أن ارتفع بنحو 13% ليسجل أعلى مستوى له منذ يناير 2025. كما صعدت عقود الديزل الآجلة بنسبة وصلت إلى 20%. وتشكل الحرب الأمريكية – الإيرانية اختباراً جديداً لفكرة انفصال النفط عن الجغرافيا السياسية.
وأوضح أن إيران تنتج نحو 3 ملايين برميل يومياً، أي ما يقارب 5% من الإنتاج العالمي، فضلاً عن موقعها بمحاذاة المضيق الذي تمر عبره صادرات الخليج إلى أسواق رئيسية مثل الصين والهند واليابان. وأي امتداد إقليمي للنزاع قد يهدد شرايين الطاقة العالمية، خاصة إذا طال منتجين آخرين في الخليج، ما قد يعرّض ما يصل إلى ثلث الإمدادات العالمية للخطر.
وفي سيناريو غير مسبوق يتمثل في إغلاق مضيق هرمز بالكامل، قد يتأثر نحو 20% من صادرات النفط العالمية. ووفقاً لتحليلات تاريخية وأكاديمية، فإن تراجع الإمدادات بنسبة 1% قد يرفع الأسعار بنحو 4%. وعليه، فإن توقف كامل للإنتاج الإيراني قد يدفع الأسعار للارتفاع بنحو 20%، بينما قد يقفز خام برنت بنسبة تصل إلى 80% إذا تعطلت حركة الملاحة بالكامل عبر المضيق.
ومن المتوقع أن ينتج عن ارتفاع أسعار النفط رابحين وخاسرين؛ إذ تنتقل الإيرادات من الدول المستوردة للطاقة إلى الدول المصدّرة. وفي الولايات المتحدة، يبقى الأثر السلبي أقل من السابق بفضل ثورة النفط الصخري التي حولتها إلى مصدر صافٍ للطاقة، رغم استمرار الضغط على المستهلك نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود، ما يقلّص الدخل المتاح للإنفاق. كما قد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى تعديل سياسته النقدية إذا انحرف التضخم عن مستهدفاته.
في المقابل، تُعد الصين وأوروبا والهند من أكبر المستوردين للنفط، ما يجعلها أكثر عرضة لمزيج من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم. أما أبرز المستفيدين فسيكونون المصدرين البعيدين عن بؤرة النزاع مثل روسيا وكندا والنرويج.
القطاعات الأكثر استفادة
أجمع الخبراء على أن قطاع الطاقة يتصدر قائمة المستفيدين من الحرب على المدى القريب، في ظل دعم أسعار النفط والغاز المرتفعة لإيرادات المنتجين وهوامش أرباحهم. كما يُتوقع أن تشهد الصناعات المرتبطة بالدفاع والأمن زيادة في الطلب عالمياً، مدفوعة بتصاعد الإنفاق العسكري وارتفاع وتيرة الطلبيات.
في المقابل، تواجه القطاعات المعتمدة على استقرار أسعار الطاقة وثقة المستهلكين ضغوطاً متزايدة، وفي مقدمتها الطيران، والسفر، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتصنيع، والسلع الاستهلاكية الكمالية، نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف الطلب. كما تتأثر الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والبناء والأسمنت وبعض أنشطة التعدين، بانضغاط الهوامش الربحية.
وتشهد الأسواق المالية عادة مستويات أعلى من التقلب خلال فترات النزاعات، ما يضغط على القطاعات الحساسة للنمو وأسعار الفائدة، بينما تُظهر القطاعات الدفاعية، مثل المرافق والسلع الأساسية، قدراً أكبر من الصمود. ويرى الخبراء أن الحروب لا تؤدي بالضرورة إلى تدمير النمو الاقتصادي، بقدر ما تعيد توزيعه بين القطاعات، مع بقاء الأثر النهائي مرهوناً بمدة الاضطراب وتطوره.
تحولات هيكلية في سلاسل الإمداد
وبعيداً عن التأثيرات الفورية، يُرجّح أن تتجه دول عدة إلى تعزيز سلاسل إمداد السلع الأساسية محلياً، ما قد يخلق توجهاً استثمارياً يمتد لسنوات، حتى في حال التوصل إلى وقف سريع لإطلاق النار. ويعزز هذا المسار جاذبية الاستثمار في البنية التحتية للطاقة وأصول «أمن الإمدادات»، التي قد تُتداول عند تقييمات أعلى مع تسعير الأسواق لعلاوة مخاطر جيوسياسية دائمة. ورغم احتمال تصحيح أسعار السلع سريعاً إذا هدأت التوترات، فإن الشركات الأساسية العاملة في قطاعات الطاقة والدفاع قد تواصل التفوق، مدعومة بزيادة الإنفاق العسكري عالمياً واتساع نطاق الطلبيات، لا سيما في مجالات الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها.
الشحن والطاقة في دائرة المكاسب
كما تستفيد أسهم ناقلات النفط والشحن البحري من ارتفاع معدلات الشحن في حال تعطل بعض الممرات الحيوية، خاصة مع المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية. ويؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على طاقات الشحن وارتفاع تكاليف النقل، ما ينعكس إيجاباً على إيرادات الشركات العاملة في هذا القطاع.
في المقابل، قد يتعرض قطاع الطيران لاضطرابات في الرحلات، فيما تتأثر الضيافة والسياحة في مراكز إقليمية رئيسية، إضافة إلى تراجع محتمل في قطاع العقارات، لا سيما في الأسواق التي تمر بدورات تحول حساسة وتتأثر سريعاً بتقلبات المعنويات.
أما على المستوى الأوسع، فيبقى الفارق الجوهري بين حرب قصيرة تُحدث تقلبات، وإعادة تخصيص تكتيكية للاستثمارات، وصراع طويل يرفع مخاطر التضخم، ويؤخر خفض أسعار الفائدة عالمياً، ويضغط بصورة أكبر على القطاعات المرتبطة بالنمو.
