من المستفيدون والخاسرون اقتصادياً من الحرب؟

تتسع رقعة المخاطر في الشرق الأوسط والعالم تحت وطأة التصعيد العسكري الذي بدأ في عطلة نهاية الأسبوع الماضي بالضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فيما تراقب الأسواق عن كثب التصعيد الراهن وتُسعر السيناريوهات المحتملة، وهو ما انعكس بشكل ملحوظ في التقلبات التي شهدتها في أول رد فعل لها بعد بدء الحرب في تعاملات بداية الأسبوع.

ومع الكلفة الاقتصادية المحتملة -إقليمياً وعالمياً- لتبعات الحرب، والتي يتوقف نطاقها على الأمد الزمني لذلك الصراع، فإن ثمة فائزين صامتين وخاسرين يدفعون الفاتورة كاملة.

أول المستفيدين المباشرين من التصعيد سوق النفط؛ فكلما اقتربت النيران من مضيق هرمز، ارتفع منسوب القلق في أسواق الطاقة، لا سيما أن هذا الممر البحري يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية.

علاوة المخاطر

تلك الاضطرابات التي تحيط بالمضيق -حتى وإن لم يكن الغلق حقيقياً على أرض الواقع أو مطولاً- تكفي لإدخال علاوة مخاطر جيوسياسية ضخمة على الأسعار، فشركات الشحن ترفع رسوم التأمين، كما أن الناقلات تعيد حساب مساراتها، والمصافي الآسيوية والأوروبية تبدأ في بناء مخزونات احترازية، والنتيجة تبدو في قفزات سعرية سريعة، حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإمدادات.

وبالتالي في هذا السياق، تبدو شركات الطاقة الكبرى، لا سيما الأمريكية، من أبرز المستفيدين، فكل دولار إضافي في سعر البرميل يعني تدفقات نقدية أعلى، وربحية استثنائية، وتعزيزاً لقيمة الأسهم.

لكن على الجانب الآخر، فإن ارتفاع أسعار النفط يعني عودة شبح التضخم في وقت لم تتعافَ فيه الاقتصادات الكبرى بالكامل من موجة التشديد النقدي السابقة، فالبنوك المركزية التي كانت تستعد لتخفيف القيود قد تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها.

أوروبا، المستورد الصافي للطاقة، ستكون من أبرز المتضررين، وكذلك آسيا، لا سيما الاقتصادات الصناعية الكبرى المعتمدة على نفط الخليج. أما الأسواق الناشئة، فستواجه ضغطاً مزدوجاً متمثلة في كلفة طاقة أعلى وعملات أضعف، وخروج محتمل لرؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة.

أما على صعيد شركات الطيران والنقل البحري والخدمات اللوجستية، فستكون في مقدمة الخاسرين، إذ ترتفع التكاليف التشغيلية وتتقلص الهوامش الربحية. وكلما طال أمد الحرب، تحوّل الضغط من تقلبات مؤقتة إلى أزمة ثقة أوسع. كذلك شركات الطيران المتضررة من السماوات المشتعلة بالطائرات المسيرة.

في المقابل، يبرز الذهب كأحد أبرز الفائزين؛ فتاريخياً عندما يتآكل اليقين بالأسواق، يعود المستثمرون إلى المعدن الأصفر. ومع كل تصعيد واسع في الشرق الأوسط يُترجم إلى موجة شراء تحوطية للمعدن الأصفر كملاذ آمن.

انعكاسات مباشرة

يقول جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets لـ «البيان» إن المشهد الحالي يفرز بوضوح رابحين وخاسرين، موضحاً أن قطاع الطيران يُعتبر الأكثر تضرراً نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين واضطراب حركة الملاحة، في حين يُعد قطاع الطاقة من أبرز المستفيدين، مع الارتفاعات القوية في أسعار النفط والغاز خلال الفترة الحالية.

كما يلفت إلى أن شركات الأسلحة والدفاع، سواء الأوروبية أو الأمريكية، تحقق مكاسب واضحة في ظل تصاعد الطلب على التسلح. ويشير بشكل خاص إلى شركات كبرى مثل لوكيد مارتن Lockheed Martin في الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الشركات الدفاعية الأوروبية.

وبحسب يرق، فإن شركات الطاقة الأمريكية والأوروبية تستفيد كذلك من صعود الأسعار، خاصة في ظل المخاطر المحيطة بممرات الطاقة الحيوية، لا سيما أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، كما أن نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية تعبر هذا الشريان الاستراتيجي، ما يجعله عنصراً محورياً في استقرار أسواق الطاقة.

ويشير يرق، في معرض حديثه مع «البيان» إلى أن المتضرر الأكبر على المديين المتوسط والبعيد سيكون المستهلك العالمي، إذ إن أي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة سينعكس مباشرة على معدلات التضخم، ما يضغط على القدرة الشرائية ويؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.

زلزال اقتصادي

ويؤكد محمد سعيد، خبير أسواق المال لـ«البيان» أن التصعيد العسكري في المنطقة خلق زلزالاً اقتصادياً فورياً هز الأسواق العالمية.

ويوضح أن الشرارة أصابت عصب التجارة الدولية، وتحديداً مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وتريليونات الدولارات من حجم التجارة البحرية. وكانت النتيجة قفزة حادة في أسعار النفط بنحو 10% في أول رد فعل فوري في بداية تعاملات يوم الاثنين متجاوزة مستوى 80 دولاراً للبرميل لخام برنت (قبل أن يقلص المكاسب عند التسوية)، مع مخاوف حقيقية من تخطي حاجز 100 دولار إذا تم إغلاق المضيق بالكامل. وانعكس ذلك فوراً في تقلبات قوية بمؤشرات الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.

ويشير إلى أن بعض الأطراف من المتوقع أن تخرج بمكاسب واضحة، وعلى رأسها منتجو النفط خارج نطاق المواجهة المباشرة كما تستفيد روسيا من تحول جزء من الطلب الآسيوي إلى نفطها، إلى جانب مكاسب لمنتجين كبار مثل كندا والنرويج والبرازيل.

ويشدد محمد سعيد، على أن شركات الطاقة، خاصة الأمريكية العاملة في النفط الصخري، حققت قفزات قوية في أسهمها، بالتوازي مع صعود ملحوظ في أسهم شركات الدفاع والمقاولات العسكرية نتيجة ارتفاع الطلب على الذخائر وأنظمة التسليح. كما من المتوقع امتداد الاستفادة إلى شركات الأمن البحري واللوجستيات البديلة. وفي ظل حالة الذعر، يتجه المستثمرون إلى الملاذات الآمنة التقليدية مثل الذهب (الذي ارتفع بنحو 2% خلال تعاملات الاثنين قبل أن يقلص نسبياً مكاسبه مع عمليات جني أرباح عند التسوية) والدولار الأمريكي والفرنك السويسري.

في المقابل، يوضح خبير أسواق المال أن قائمة الخاسرين طويلة، تبدأ من إيران نفسها، التي تتعرض بنيتها التحتية لضربات قاسية، ما يهدد صادراتها ويضغط على عملتها ويدفعها نحو موجة تضخم حادة.

كما تتضرر الاقتصادات المستوردة للطاقة، وعلى رأسها الصين والهند واليابان ودول أوروبية وكوريا الجنوبية، نتيجة ارتفاع فاتورة الاستيراد وضغوط الأسعار.

ويلفت إلى أن الأسواق الناشئة والاقتصادات الهشة مثل تركيا والأرجنتين وباكستان تواجه ضغوطاً إضافية بسبب هروب رؤوس الأموال وتراجع العملات المحلية.

ويشير كذلك إلى أن قطاع النقل البحري قد يتكبد خسائر مباشرة مع ارتفاع أقساط التأمين على مخاطر الحرب، ما يدفع السفن إلى اتخاذ مسار رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر المنطقة، الأمر الذي ينعكس سلباً على إيرادات ممرات ملاحية استراتيجية مثل قناة السويس. كما يتأثر قطاع الطيران والسياحة في مراكز إقليمية نتيجة إلغاء واضطراب الرحلات وارتفاع تكاليف الوقود.

وينبه أن الاقتصاد العالمي يقف أمام سيناريو يشبه صدمات السبعينيات التضخمية، محذراً من أن استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز سيجبر البنوك المركزية الكبرى على تأجيل خفض الفائدة لكبح التضخم المستورد من الطاقة، ما قد يخنق النمو ويدفع العالم نحو ركود محتمل، في ظل إعادة رسم خريطة الثروات العالمية لصالح منتجي الطاقة وشركات السلاح على حساب الدول المستوردة والمستهلكين.