يتجاوز التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى حدود الاشتباك التقليدي، ليتحوّل إلى اختبار مباشر لصلابة الاقتصاد الإقليمي والعالمي؛ فمع الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ثم الهجمات الإيرانية في المنطقة، وصولاً إلى إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، دخلت الأسواق مرحلة تسعير المخاطر المتنامية. يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله شرياناً حيوياً للطاقة الدولية، وبناء على ذلك فإن أي تهديد فعلي أو حتى مستمر لحركة الملاحة من شأنه إعادة صياغة فورية لمعادلة المخاطر في الاقتصاد العالمي.
إقليمياً، يتمثل الأثر الأسرع في ارتفاع «علاوة المخاطر» التي تنعكس على كلفة التأمين والشحن، وحتى شروط التمويل وقرارات الاستثمار، ذلك أن اقتصادات المنطقة ورغم متانة بعضها مالياً وامتلاكها فوائض وسيولة ملائمة، تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة وتدفقات التجارة والسفر والخدمات واللوجستيات.
عالمياً، تنتقل الصدمة عبر عدد من القنوات المترابطة، ومنها قطاعات الطاقة والشحن والتمويل، ومن ثم فإن الارتفاع السريع في أسعار النفط من شأنه أن يهدد بفرض ضغوط تضخمية مباشرة على الدول المستوردة للطاقة، مع رفع كلفة الإنتاج، الأمر الذي يهدد بإبطاء وتيرة النمو.
نمو هش
وإذا ما استمرت الحرب واتسع نطاقها، فإن السيناريو المرجح يتمثل في تضخم أكثر لزوجة وصعوبة في الانخفاض، ونمو عالمي أكثر هشاشة، وتقلبات أعمق في أسواق الأسهم والعملات والسلع، بحسب ما يؤكده محللو أسواق في تصريحات متفرقة لـ«البيان» يجيبون خلالها عن الأسئلة المرتبطة بتأثير التوترات الحالية في الأسواق والاقتصاد الإقليمي والعالمي، والسيناريوهات المحتملة في حال استمرار الحرب لفترة أطول.
ويعد سيناريو استمرار الحرب لفترة أطول من المتوقع، محتملاً إلى حد بعيد، لا سيما مع تأكيدات الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، أن بلاده «على عكس الولايات المتحدة، قد أعدت نفسها لحرب طويلة»، على حد قوله.
كما أن الولايات المتحدة ترى أن المواجهة قد تستمر لفترة أطول من الفترة المتوقعة سابقاً والمقدرة بأربعة أو خمسة أسابيع. وهو ما أكده الرئيس دونالد ترامب، الاثنين الماضي، عندما قال إن التوقعات كانت تشير لاستمرار الحرب من 4 إلى 5 أسابيع، لكن «يمكن أن يمتد الأمر لفترة أطول». في المقابل، إذا جرى احتواء التصعيد سريعاً، فقد تبقى التأثيرات الاقتصادية الأعمق ضمن نطاق متوسط، مع عودة تدريجية للثقة وتراجع في علاوات المخاطر، في حين يظل المتغير الحاسم هو عامل الزمن؛ فكلما طال أمد المواجهة وارتفعت كلفة الشحن والتأمين والتمويل، زادت احتمالات تحوّل الأزمة من توتر جيوسياسي عابر إلى منعطف اقتصادي عالمي يعيد ترتيب أولويات الدول والأسواق على حد سواء.
كلفة المخاطر
وقال أحمد عزام رئيس الأبحاث في مجموعة Equiti لـ«البيان»: «إن التوترات الحالية بين واشنطن وطهران قد تُترجم اقتصادياً على أنها زيادة مباشرة في كلفة المخاطر التي تُضاف فوق كل شيء؛ برميل النفط، بوليصة التأمين، أجرة الناقلة، وحتى قرار الشركات بتأجيل استثمار جرّاء عدم اليقين.
إقليمياً، الأثر الأسرع لا يأتي بالضرورة من نقصٍ فعلي في المعروض، بل من تغيّر مزاج الثقة الذي يقوم عليه الاقتصاد غير النفطي، ذلك أن طول أمد التوترات الجيوسياسية سيكون اللاعب الأهم في التأثير».
ويشدد على أن اقتصاد المنطقة يتحرك على إيقاع التجارة والسفر واللوجستيات والخدمات المالية، لذلك يكفي أن ترتفع علاوة المخاطر حتى تميل قرارات الشركات من التوسع إلى التحوّط، كتأجيل استثمارات غير ضرورية، وإعادة تسعير عقود وتأمينات، وتشديد شروط التمويل مع طلب هوامش أعلى وآجال أقصر.
وعادةً يظهر ذلك أولاً في قطاعات الخدمات الأكثر ارتباطاً بالحركة اليومية - الطيران والضيافة والنقل والتجزئة - قبل أن ينعكس على أرقام الإنتاج والاستثمار بشكلٍ واضح.
ويضيف أحمد عزام: «إذا بقيت التوترات محدودة زمنياً وجغرافياً، فاقتصادات المنطقة تمتلك عوامل امتصاص معتبرة، من فوائض وسيولة ومرونة في إدارة السياسات، وقد يكون الأثر أقرب إلى تباطؤ مؤقت أكثر منه صدمة كاملة وقاسية على الاقتصاد، في حين المؤثر الحاسم هنا ليس مجرد وجود توتر جيوسياسي، بل مدته واستمراره في رفع كلفة الشحن والتأمين والتمويل؛ فكلما طال أمد المخاطر المرتفعة، زادت احتمالات انتقالها من ضجيج سياسي وجيوسياسي إلى أثر اقتصادي ملموس على النمو غير النفطي».
أما على الصعيد العالمي، فيضيف: «الأزمة تمر عبر 3 قنوات واضحة (الطاقة، الشحن، والتمويل)، مشيراً إلى أن ارتفاع النفط بسرعة يعني ضغطاً تضخمياً على الدول المستوردة للطاقة، وتراجعاً في القوة الشرائية، ثم احتمال تباطؤ في النمو إذا استمرت الأسعار مرتفعة؛ وإغلاق مضيق هرمز قد يعني إمكانية دخول أسعار النفط في مسار تصاعدي».
ورغم إعلان إيران إغلاق المضيق والتهديد بـ«حرق» السفن، فإن تقارير أمريكية نقلت، مساء الاثنين، عن القيادة المركزية الأمريكية تأكيداتها أن المضيق لا يزال يعمل، ومع ذلك، الأخطر غالباً ليس سعر النفط وحده، بل تعطّل الشحن والتأمين؛ فعندما ترتفع علاوات مخاطر الحرب أو تُلغى تغطيات في بعض المسارات، ترتفع كلفة نقل السلع والمواد الخام فوراً، وتبدأ موجة تضخم مصغّرة عبر كلفة النقل والتأمين حتى لو لم يحدث نقص كبير في الإنتاج. وتأتي قناة التمويل بين النقاط المهمة، في عالم مثقل بديون مرتفعة تاريخياً، وبالتالي فإن أي صدمة ممتدة ترفع علاوة المخاطر وتُشدّد شروط الائتمان، ما يجعل الشركات والحكومات تدفع أكثر مقابل التمويل أو تؤجل الإنفاق والاستثمار.
ويشدد أحمد عزام على أن التوترات الحالية لا تعني ركوداً عالمياً بشكل تلقائي، إلا أنها ترفع المخاطر الاقتصادية وتضع الاقتصاد في بيئة غير مريحة: «تضخم قد يهدأ بصعوبة بالغة، نمو يصبح أكثر حساسية لمدة التوترات واتساع نطاق التصعيد، علاوة على بنوك مركزية ستجد نفسها ميّالة للتريث في خفض الفائدة لأن صدمة الطاقة والشحن ترفع الأسعار وتضغط النمو في الوقت نفسه، وأسوأ ما يمكن أن يواجهه صانع السياسة هو أن يخسر المعركة على الجبهتين معاً: النمو، والتضخم».
تقلبات الأسواق
وتعطي الأسواق لمحة عن سياق التوقعات الحالي لأمد الصراع، إذ شهدت الأسواق تقلبات ملحوظة في أولى التعاملات بعد بدء الحرب التي اندلعت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وبما يوحي بأن المستثمرين غير قادرين على تحديد أثر تلك الحرب والسيناريو الأكثر ترجيحاً، وفي خضم هذه التقلبات تتباين تقديرات المؤسسات المالية العالمية بين التحذير من موجة تراجع قصيرة الأمد، والرهان على احتواء الصدمة سريعاً.
وبينما أعادت الأسواق تسعير المخاطر مع ارتفاع النفط وتصاعد علاوات التأمين، يترقب المستثمرون ما إذا كانت الصدمة ستتحول إلى مسار ممتد أم تبقى ضمن نطاق زمني محدود يمكن استيعابه.
فرص الشراء
وتشير تقديرات محللي جي بي مورجان، في مذكرة، إلى أنهم يتوقعون انخفاضاً في أسعار الأصول ذات المخاطر العالية لمدة أسبوع إلى أسبوعين، لكن ذلك سيخلق «فرصة للشراء في أوقات الانخفاض مع تجاوز السوق للتراجع الأولي».
كما يعتقد «كومرتس بنك» بأنه في الوقت الحالي، يبدو أن المشاركين في السوق يتوقعون حرباً قصيرة تدوم بضعة أسابيع فقط، حيث يرى هو أيضاً أن هذا السيناريو هو الأرجح.
وبحسب رويترز، تفترض سيناريوهات السوق في الغالب أن التداعيات ستكون محدودة، كما كانت الحال خلال حرب الـ12 يوماً في إيران في يونيو الماضي، وليس الارتفاع الحاد في أسعار النفط الذي حدث عام 2022 بسبب الحرب في أوكرانيا.
آثار واسعة
وأكد ميشال صليبي، رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro لـ«البيان» أن التوترات الجيوسياسية الحالية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، تترك آثاراً واضحة وواسعة على الأسواق العالمية، وقد انعكست بشكل مباشر على تداولات أول أيام الأسبوع، وفي مقدمتها تصاعد أسعار الطاقة وعودة الضغوط التضخمية عالمياً.
ويوضح أن تصاعد التوترات يثير مخاوف جدية من تعطل الإمدادات النفطية، خاصة في ظل مرور ما يزيد على 20% من إمدادات النفط العالمية عبر ممرات استراتيجية حساسة، ما يدفع الأسعار للارتفاع بنسب قد تصل إلى 10 أو 20% خلال فترات قصيرة، مضيفاً أنه حال استمرار التصعيد أو اتساع نطاقه، فإن احتمالات صعود أسعار النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل تبقى قائمة.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل والتصنيع والإنتاج، ما يرفع الضغوط على سلاسل الإمداد عالمياً، ويؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، لا سيما في الاقتصادات المستوردة للطاقة.
تقلبات الأسواق
وفيما يتعلق بالأسواق المالية، يوضح أن التقلبات الحالية تعد رد فعل طبيعياً لحالة عدم اليقين، حيث تشهد أسواق الأسهم العالمية تراجعات، خاصة في القطاعات الحساسة مثل السفر والصناعة، في حين ترتفع أسعار الأصول الآمنة كالذهب والدولار، كما يلفت إلى أن أسواق الديون وأسعار الفائدة قد تتأثر أيضاً نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتسارع التضخم، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم توجهاتها خلال المرحلة المقبلة.
ويضيف ميشال صليبي، أن التوترات في منطقة الخليج والبحر الأحمر تؤثر بشكل مباشر في حركة السفن وسلاسل التوريد، مع ارتفاع ملحوظ في تكاليف التأمين على الشحن وأسعار المواد الخام والسلع الغذائية، وهو ما قد يؤدي إلى تعطّل بعض خطوط النقل الأساسية.
ويختتم ميشال ، بالتأكيد على أنه في حال توسع نطاق التوترات أو استمرارها لفترة أطول، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، كما سيدفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها التجارية والطاقوية، والبحث عن مصادر بديلة وزيادة المخزونات، ما يعني استمرار حالة التقلب في الأسواق خلال الفترة المقبلة.
الثقة في الأسواق
ويُنظر إلى استمرار الصراع في المنطقة والذي يزعزع استقرار أسواق الطاقة العالمية بأنه من شأنه أن يسبب صدمة أخرى للثقة في الأسواق، خاصة إذا أثار مخاوف من أن الاحتياطي الفيدرالي أقل احتمالاً لتخفيف السياسة النقدية، بحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
وقد يؤدي ذلك أيضاً إلى الإضرار بتفاؤل الشركات وكبح الاستثمار، بحسب التقرير، الذي نقل عن كبير الاقتصاديين الأوروبيين في شركة تي رو برايس، توماش فيلاديك، قوله: «هناك ظاهرة تتمثل في وقوع صدمات عدة في وقت واحد. فقد شهدنا فنزويلا، وغرينلاند، والتعريفات الجمركية، والآن إيران، كل ذلك في غضون شهرين فقط». إلا أن محللين آخرين ظلوا أكثر تفاؤلاً، نظراً للأداء القوي للاقتصاد العالمي خلال العام الماضي في مواجهة صدمات متعددة، من بينهم كبير الاقتصاديين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس» إينيس ماكفي، الذي يقول: «على الرغم من كل الأحداث الجيوسياسية الأخيرة، فإن مستوى النمو في الاقتصاد والتجارة العالميين كان مرناً بشكل لا يصدق».
اتساع التوترات
وقال محلل الأسواق المالية دانيال البنا، في First Financial Markets، لـ«البيان»: «إن التطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة تلقي بظلالها المباشرة على أداء الأسواق المالية، لا سيما الأسواق في المنطقة، في ظل اتساع رقعة التوترات وفتح جبهات جديدة، ما يعزز من حالة القلق والترقب لدى المستثمرين».
وفيما يتعلق بأسواق السلع، يشير البنا إلى المكاسب التي سجلتها تحركات الذهب والنفط. فقد سجل النفط في مستهل تعاملات يوم الاثنين - أول تعاملات بعد بدء الصراع - ارتفاعات قوية مدفوعة بالمخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة، خصوصاً ما يتعلق بمضيق هرمز، قبل أن يقلص مكاسبه قليلاً عند التسوية، لكنها حافظت على مستويات مرتفعة.
ويلفت إلى أن أي تصعيد طويل الأمد أو تعطّل فعلي طويل في الإمدادات قد يدفع الأسعار إلى مستويات عليا بشكل ملحوظ.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على معدلات التضخم، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، وحول العالم عموماً، عبر قنوات عدة أبرزها تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، وهو ما قد يضغط على وتيرة التعافي الاقتصادي العالمي.
أما فيما يخص الذهب، فيوضح دانيال البنا أن المعدن الأصفر كان قد استبق جزءاً كبيراً من التطورات الأخيرة، حيث ارتفع بالفعل خلال جلسات الأسبوع الماضي، ما يعني أن الأسواق قامت بتسعير جزء من المخاطر، مؤكداً أن الوصول إلى مستويات قياسية جديدة - مثل 6000 دولار للأونصة - يتطلب تصعيداً أكبر وأحداثاً أكثر حدة، إذ إن الارتفاعات الحالية تبقى ضمن نطاق متوسط مقارنة بحجم التوترات القائمة. ويرى البنا أن جميع السيناريوهات تبقى مفتوحة في هذه المرحلة، سواء باتجاه هدنة قريبة أو استمرار التصعيد أو الدخول في اتفاقيات سياسية، لافتاً إلى أن المستثمرين يفضلون حالياً التريث بانتظار اتضاح الرؤية خلال الأيام المقبلة، مع بقاء التأثير العام حتى اللحظة ضمن نطاق متوسط، لكنه قابل للتصاعد سريعاً في حال توسع رقعة المواجهات.


