يدخل المشهد التجاري الأمريكي مرحلة شديدة الحساسية، بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم الجمركية العالمية الواسعة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، معتبرة أنه تجاوز صلاحياته الدستورية باستخدام قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) في غير موضعه.
يشكل الحكم ضربة قانونية وسياسية ثقيلة للبيت الأبيض، ويفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً لإعادة تقييم حدود السلطة التنفيذية في إدارة السياسة التجارية تحت مظلة «الطوارئ الوطنية».
رد ترامب جاء سريعاً وحاداً، إذ هاجم القضاة، واعتبر القرار تقويضاً لصلاحيات الرئاسة، قبل أن يعلن رفع التعريفة من 10% إلى 15% ضمن الحدود المسموح بها قانوناً، في محاولة لإعادة تموضع سياسي وقانوني يحفظ جزءاً من استراتيجيته الحمائية.
اقتصادياً، يعيد الحكم خلط الأوراق في علاقة واشنطن بشركائها التجاريين. فالدول المتضررة قد ترى في قرار المحكمة فرصة لإعادة التفاوض أو للمطالبة بتعويضات،.
بينما قد تتجه دول أخرى إلى اختبار مدى التزام الإدارة بالقيود القضائية قبل اتخاذ إجراءات مضادة. تعني حالة عدم اليقين هذه أن سلاسل الإمداد العالمية وأسواق المال ستبقى رهينة التفسيرات القانونية والقرارات التنفيذية المتلاحقة.
بينما السؤال الأكثر حساسية يتعلق بمصير الرسوم التي تم تحصيلها بالفعل: هل ستُجبر الحكومة الأمريكية على ردها؟ في حال اعتبار تحصيلها غير قانوني بأثر رجعي، قد تواجه الخزانة الأمريكية التزامات بمليارات الدولارات، بحسب حجم الواردات الخاضعة للتعريفة خلال الفترة المعنية.
وبالتالي فإن رد الأموال - إن تم - سيحمل كلفة مالية مباشرة، فضلاً عن كلفة سياسية داخلية، في ظل نقاش محتدم حول حدود السلطة التنفيذية ومسؤولية الإدارة عن أي أعباء إضافية على الميزانية الفيدرالية.
رئيس الأبحاث في مجموعة Equiti، أحمد عزام، يقول لـ«البيان» إنه على مستوى الحكومات، من المرجح أن تتجه الدول إلى «إدارة الصدمة» لا مواجهتها بالصدام الفوري والعقوبات الانتقامية.
مشيراً إلى أنه «لا يمكن التغاضي عن أن الحكم القضائي أضعف قدرة ترامب على استخدام التهديد الجمركي الفوري كما في السابق، لكنه لم ينهِ حالة عدم اليقين، لأن الإدارة ما زالت تملك أدوات أخرى أبطأ لكنها فعالة، مثل المادتين 301 و232، وهذا يعني أن كثيراً من الدول سيحاول الحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة بدلاً من نسف التفاهمات القائمة».
أما على مستوى الشركات والمصدرين، فالمسار الأكثر ترجيحاً سيكون مزدوجاً: (إعادة تسعير العقود سريعاً، ومحاولة امتصاص جزء من العبء عبر تقاسم الكلفة أو تمريرها تدريجياً إلى السوق الأمريكية).
كذلك ستلجأ الشركات إلى إعادة ترتيب الشحنات والاستفادة من النوافذ الزمنية والسلع المستثناة متى أمكن، خصوصاً أن حديث البيت الأبيض تضمن استثناءات واسعة نسبياً تشمل فئات مثل المعادن الحرجة، بعض منتجات الطاقة، الأدوية ومكوناتها، بعض الإلكترونيات، بعض المركبات وقطعها، وبعض منتجات الطيران.
وحول مدى إمكانية رد أموال الرسوم من قبل الحكومة الأمريكية، يضيف عزام: «هذا ممكن من حيث المبدأ القانوني، لكنه ليس تلقائياً ولا سريعاً»، مشيراً إلى أن «المحكمة العليا حسمت مسألة الصلاحية تحت قانون الطوارئ الاقتصادية، لكنها لم تضع آلية تنفيذية مباشرة لرد الأموال».
ويشدد على أن «ملف الاسترداد انتقل عملياً إلى محكمة التجارة الأمريكية، حيث يُتوقع تصاعد الدعاوى من الشركات المستوردة للمطالبة باستعادة الرسوم التي دُفعت سابقاً».
ولم يذكر حكم المحكمة العليا الصادر يوم الجمعة الماضي أن الحكومة الأمريكية يمكنها الاحتفاظ بالأموال التي جمعتها بالفعل من تلك الرسوم الجمركية، لكنه لم يتطرق صراحة إلى عمليات رد الأموال.
ويستطرد: «الحديث ليس عن مبالغ هامشية؛ فالتقديرات تشير إلى أن أكثر من 175 مليار دولار من الإيرادات الجمركية الأمريكية (بحسب تقديرات مختلفة) قد تكون عرضة لمطالبات استرداد محتملة بعد الحكم.
وأن عدد القضايا المرفوعة أو الجاري تجهيزها ارتفع بقوة، مع الإشارة إلى وجود أكثر من 1,800 قضية بالفعل في هذا المسار، وتوقعات بزيادة إضافية».
وبلغ إجمالي عوائد الرسوم التي جمعتها الولايات المتحدة في العام 2025 نحو 200 مليار دولار، طبقاً لتقديرات مكتب الميزانية بالكونغرس، والذي يشير إلى أن عوائد الرسوم من شأنها خفض العجز الفيدرالي بنحو 3.3 تريليونات دولار على مدى العقد المقبل.
لكن على الجانب الآخر، فإن رئيس الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول، كان قد حمّل الشهر الماضي رسوم ترامب مسؤولية ارتفاع التضخم السنوي إلى 2.8%.
تخبط سياسي ومؤسسي
من جانبه، يقول محلل الأسواق المالية في شركة First Financial Markets، دانيال البنا، لـ«البيان» إن الرسوم الجمركية الجديدة التي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرضها تعكس حالة من التخبط السياسي والمؤسسي داخل الولايات المتحدة، موضحاً أن هناك تبايناً واضحاً بين الإدارة الأمريكية وأعضاء الكونغرس حول شرعية واستمرارية هذه الرسوم.
يلفت البنا إلى أن سياسة الرسوم الجمركية ليست جديدة، لكنها اتخذت طابعاً أكثر عدوانية في السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي منها لم يكن فقط حماية الاقتصاد الأمريكي أو دعم الإنتاج المحلي، بل ممارسة ضغوط تفاوضية لإبرام صفقات تجارية واستثمارية تصب في مصلحة الولايات المتحدة.
تحول مهم
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لـ«البيان»، إن قرار المحكمة العليا الأمريكية بإبطال الأساس القانوني لمعظم الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضتها إدارة دونالد ترامب يمثل تحولاً مهماً في العلاقة بين السلطة التنفيذية والسياسة التجارية، ويؤكد حدود استخدام قوانين الطوارئ في فرض تعريفات واسعة على الواردات.
ويوضح أن لجوء الإدارة الأمريكية إلى فرض تعريفة جمركية عالمية جديدة ومؤقتة استناداً إلى قانون تجاري مختلف، ورفعها من 10% إلى 15%، يعكس محاولة سريعة للحفاظ على أدوات الحماية التجارية ضمن الإطار القانوني المتاح دون الحاجة إلى موافقة مباشرة من الكونغرس.
مشيراً إلى أن هذه الخطوة قد توفر غطاء قانونياً مؤقتاً لكنها لا تنهي حالة عدم اليقين في السياسة التجارية الأمريكية.
ويؤكد الرفاعي أن هذا التطور قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الطعون القانونية في السياسات التجارية الأمريكية، وهو ما قد يزيد من حالة الضبابية بالنسبة للشركات والمستثمرين والتجارة العالمية خلال الفترة المقبلة.
تقديرات
وتشير تقديرات جديدة إلى أن الحكومة الأمريكية قد تكون مدينة بأكثر من 175 مليار دولار تعويضات للمستوردين بعد أن قضت المحكمة العليا بأغلبية 6-3 بأن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب من جانب واحد غير قانونية.
وستكون المبالغ المستردة المحتملة لمجموعة واسعة من الشركات عبارة عن رسوم جمركية تم تحصيلها بالفعل من قبل الحكومة منذ أن فرض ترامب الرسوم دون تفويض من الكونغرس بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، أو IEEPA، وفق تقرير لشبكة «سي إن بي سي» الأمريكية.
استرداد الرسوم
من لندن، يقول الخبير الاقتصادي، أنور القاسم، لـ«البيان»، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «دخل في عش الدبابير داخلياً» بعد تحديه قرار المحكمة العليا الذي قضى برفض الرسوم الجمركية الشاملة، موضحاً أن هذه الخطوة فتحت الباب أمام موجة غير مسبوقة من الدعاوى القانونية من قبل الشركات الأمريكية.
ويوضح أن أكثر من 300 ألف شركة أمريكية تطالب حالياً باسترداد نحو 134 مليار دولار من حصيلة الرسوم الجمركية التي فُرضت على واردات مختلفة بموجب قانون صمم أساساً للاستخدام في حالات الطوارئ الوطنية فقط
مشيراً إلى أن السؤال الأكثر تعقيداً يتمثل في معرفة مصير هذه الأموال وآلية ردها، خاصة أن استرجاع عشرات المليارات من الدولارات قد يترك آثاراً سلبية كبيرة على الخزانة الأمريكية.
البيت الأبيض يبحث عن مخرج.. والقضاء يرسم الخط الأحمر
ترامب يرد على المحكمة الأمريكية برفع التعرفة الجمركية من 10 إلى %15
جيروم باول حمّل «رسوم ترامب» مسؤولية ارتفاع التضخم إلى 2.8 %
1800
قضية تجارية مرفوعة وسط توقعات بزيادتها
200
مليار دولار عوائد رسوم جمعتها الولايات المتحدة في عام 2025
175
مليار دولار من الإيرادات الجمركية الأمريكية عرضة لمطالبات استرداد