بطاقات الائتمان.. بين إغراءات العروض وفخ الديون

شهدت البنوك المحلية خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في استخدام بطاقات الائتمان «الكريديت كارد»، حيث أصبحت أحد أبرز المنتجات المصرفية التي يعتمد عليها الأفراد لأغراض استهلاكية وتجارية. جاء هذا الارتفاع نتيجة التوسع الهائل في القطاع المالي والمصرفي، والذي صاحبه أن أصبحت بطاقات الائتمان أداة مالية شائعة ومتاحة على نطاق واسع.

وتعد الإمارات واحدة من أعلى الدول في نصيب الفرد من بطاقات الائتمان عالمياً. ويقود هذا الانتشار، التنافس الشديد بين البنوك، والعروض التسويقية الجذابة (مثل أميال السفر، والخصومات)، ونمط الحياة الاستهلاكي. ومع ذلك، يغفل العديد من المستهلكين عن المخاطر الكامنة وراء هذه الوسيلة المريحة. وبينما تقدم هذه البطاقات فوائد كبيرة مثل تسهيل المعاملات وبناء سجل ائتماني، إلا أن إساءة استخدامها تحمل أضراراً مالية واجتماعية ونفسية جسيمة على الأفراد والأسر. ومع هذا التوسع، دعا مصرفيون في الدولة العملاء إلى توخي الحذر عند التقدم للحصول على هذه البطاقات، محذرين من أن العروض المغرية أحياناً قد تخفي التزامات مالية كبيرة.

وشدد المصرفيون على ضرورة الاطلاع الكامل على الرسوم والفوائد والالتزامات القانونية قبل التوقيع على الموافقة على استخراج بطاقة ائتمان، علاوة على ذلك، فإن التهرب من السداد ليس خياراً عملياً أو آمناً، فالبنوك تمتلك جميع الضمانات القانونية لاسترداد أموالها، ويخضع المتعثر لملاحقات محلية ودولية صارمة.

الأكثر ربحاً

تفرض البنوك على مستخدمي بطاقات الائتمان أسعار فائدة قد تصل إلى أكثر من 10 أضعاف الفائدة على القروض الشخصية، ما يجعل البطاقة أحد أكثر المنتجات المصرفية ربحاً للبنوك. وفي هذا الصدد، يقول الخبير المصرفي، أسامة حمزة آل رحمة، إن مستويات الفائدة السنوية على المبالغ المستخدمة من بطاقات الائتمان تتجاوز 3% شهرياً، أي ما يعادل نحو 36% فائدة ثابتة سنوياً، أو نحو 65% فائدة متناقصة، وهو ما يجعل تكلفة البطاقة المالية مرتفعة للغاية مقارنة بالقروض الأخرى. وتابع: يضاف إلى الفوائد العالية رسوم سنوية ورسوم على السحب النقدي، ما يجعل تكلفة استخدام البطاقة مرتفعة بشكل كبير على العملاء غير المطلعين.

عروض مغرية

وتشير شهادات العملاء إلى أن بعض البنوك تستخدم عروضاً مغرية لجذب العملاء، ولكن دون توضيح كامل للالتزامات المالية. ويقول الموظف حمد العوضي: عرض علي البنك بطاقة بقيمة تتراوح بين 20 ألفاً إلى 25 ألف درهم، مع وعد بخصومات وأميال جوية، دون أن يوضح لي مستوى الفوائد أو الرسوم على السحب والمشتريات. وفي حالة مماثلة، أكد المهندس حسين الشامسي، أن الامتيازات تبدو مغرية، لكن من الضروري أن تكون قادراً على إدارة استخدام البطاقة لتجنب الغرامات والفوائد العالية. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبراء المصرفيون أن التسويق الشفهي قد يوقع العملاء في فخ التورط المالي، إذ يتم لاحقاً فرض رسوم لم يتم ذكرها في البداية، مثل الرسوم السنوية أو رسوم تجاوز الحد الائتماني.

لوائح تنظيمية

وتشترط وثيقة السلوك المصرفي المعتمدة من اتحاد مصارف الإمارات أن تقدم كافة المواد الإعلانية للعروض البنكية بشكل واضح وغير مضلل، إلا أن هذه الوثيقة طوعية وليست ملزمة قانونياً. وقال محمد محرم، من إدارة خدمة العملاء بمصرف أبوظبي التجاري: البطاقات التي تمنحها البنوك للعملاء هي التزام بحد ذاته، وليست مكافأة، حيث يجب على حامل البطاقة متابعة دفعاته الشهرية والرسوم السنوية وغيرها. في المقابل، يقول مينا صبحي، موظف يعمل في دبي، إن بعض العملاء يتعرضون للغش بسبب عدم اطلاعهم على شروط استخدام البطاقة، خصوصاً عند السحب النقدي الكامل بدلاً من استخدام البطاقة للمشتريات.

شروط ميسرة

وللحصول على بطاقة ائتمان في الإمارات، يشترط عادة أن يكون عمر المتقدم 21 سنة على الأقل، وراتب شهري لا يقل عن 5 آلاف درهم، أو حد ائتماني لا يقل عن 3500 درهم، فضلاً عن إقامة سارية المفعول للمقيمين. كما تطلب البنوك مستندات تشمل بطاقة الهوية وجواز السفر، كشف حساب بنكي لآخر ثلاثة أشهر، شهادة راتب أو رخصة تجارية لأصحاب الأعمال الحرة، وربما شيك ضمان.

ويمكن إتمام عملية التقديم رقمياً من خلال تطبيقات الهواتف الذكية أو الروابط المباشرة لمواقع البنوك، مع ضرورة التأكد من وضوح المستندات لتجنب أي تأخير في معالجة الطلب.

أسعار الفائدة

وتختلف أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان بين البنوك بالدولة، حسب نوع البطاقات: ذهبية، أو بلاتينية، أو مكافآت سفر. ويشير خبراء مصرفيون إلى أن رسوم تجاوز الحد الائتماني يمكن أن تضاعف تكلفة استخدام البطاقة بشكل كبير، خصوصاً عند العملاء الذين يفتقرون للوعي المالي الكافي.

عقوبات صارمة

ويتعرض المتعثرون عن السداد لإجراءات قانونية صارمة، وفقاً للمستشار القانوني الدكتور حسام لطفي الذي قال: يمكن للبنك متابعة المتعثر عبر القضاء المدني، والحجز على ممتلكاته، أو منع السفر، كما يمكن استخدام الشيكات كوسيلة ضغط جزائي. وذكر أن البنوك تبدأ دائماً بإجراءات ودية، حيث تمنح المتعثر مهلة ثلاثة أشهر قبل إحالة ملفه للتحصيل أو للإدارة القانونية، قبل اتخاذ وسائل أكثر تشدداً.

وقال حسام لطفي: في حالة عدم السداد، يتم فتح بلاغ جنائي إذا توفر شيك ضمان، ثم قد يصدر حكم بالحبس لفترات متدرجة، إلى جانب الحجز على الممتلكات، أما العملاء الذين يغادرون الدولة، فتتم متابعة ديونهم عبر وكالات تحصيل دولية، أو من خلال الإنتربول والنشرات الحمراء الدولية، ما يجعل الهروب مستحيلاً عملياً. ويؤكد خبراء مصرفيون أن البنوك هي الطرف الأقوى دائماً قانونياً ومالياً.

وفي هذا الصدد، قال الخبير المصرفي، حسن الريس، إن البنوك تمنح التمويلات بهدف مساعدة العملاء، لكن إذا تبين أن المتعثر غير جاد، فإن البنك يتخذ كافة الإجراءات لاسترداد أمواله. واقترح الريس على العملاء مراقبة الالتزامات المالية شهرياً لتجنب الغرامات، وعدم امتلاك عدة بطاقات في آن واحد لتجنب اللبس عند الدفع. وطالب المتعاملين مع البنوك بالحرص على استيفاء شروط البطاقة قبل التقديم، وفي حال التعثر، التواصل مع البنك لإيجاد حلول ودية قبل التصعيد القانوني. وقال: كذلك في حال التعثر فإن تصنيف العميل سيتأثر وسيتم نشر التصنيف على وكالة ائتمان الإمارات (مكتب ائتمان الاتحاد)، حيث يمكن لجميع البنوك الأعضاء التي لديها أذونات العملاء الوصول، ويمكنها رؤية أداء الدفع والتصنيف الائتماني، وإذا لم يكن التصنيف جيداً بما يكفي، فلن يتمكن العميل صاحب التصنيف المنخفض من التقدم للحصول على أي ائتمان آخر ما لم يتم تحسين التصنيف.

من جانبها، أفادت عواطف الهرمودي، الخبيرة في القطاع المصرفي، بأن الاعتقاد بأن الهروب بأموال البنوك ممكن بلا عواقب خاطئ تماماً، فالمقترض المتعثر يخسر سمعته وتقييمه الائتماني وفرصه المستقبلية، إضافة إلى الإجراءات القانونية المطولة لاسترداد الأموال.

حالات التعثر

ولتوضيح أمثلة لحالات التعثر، نذكر هنا أن هناك موظفاً لديه بطاقة بقيمة 25 ألف درهم، استخدم البطاقة بالكامل للسحب النقدي دون معرفة أن الفائدة الشهرية 2.25% ورسوم التجاوز على الحد تصل إلى 3%. بعد شهرين، اكتشف أنه مدين للبنك بمبلغ أكبر من الرصيد الأساسي، واضطر للتفاوض مع البنك لتقسيط الدين على 12 شهراً. كذلك هناك صاحب عمل حر حصل على بطاقة 100 ألف درهم، ولم يلتزم بدفعات الحد الأدنى، ما أدى إلى فرض غرامات ورسوم إضافية. وهنا بدأ البنك بإجراءات ودية لمدة شهرين، ثم رفع الملف للإدارة القانونية، وتم الحجز على أصوله وفق العقد الموقع. مثال آخر وهو «المتعثر الهارب إلى الخارج»، حيث حاول عميل مغادرة الدولة بعد الحصول على قرض استهلاكي، لكن البنوك لجأت إلى الإنتربول ووكالات تحصيل دولية، وتم استرداد جزء كبير من الأموال بعد إجراءات قانونية وتعاون دولي.

نصائح

وأكد الخبير المصرفي، أسامة حمزة آل رحمة، ضرورة وعي العميل بكيفية استخدام البطاقات الائتمانية لأن كل منتج مالي يحمل في طياته أبعاداً إيجابية وسلبية تتوقف على طريقة الاستخدام. وأوضح أن البطاقات الائتمانية تعتبر سلفة وقرضاً، وبالتالي معدلات الفائدة فيها بسبب المخاطر لا تقل عن 3% شهرياً وأحياناً أكثر من هذه النسبة، قائلاً: لو تم حسابها بمعدل سنوي قد تصل لـ 40% مما يجعل الفائدة فيها تصل إلى 10 أضعاف مقارنة بالمعدلات الطبيعية، ما يجعل العميل يدخل في دوامة عدم القدرة على السداد. ونصح آل رحمة بعدم أخذ بطاقات ائتمان تفوق قدرة العملاء على السداد، فالبطاقات الائتمانية إحدى الوسائل الحديثة للدفع ونقلة نوعية في دفع قيمة الأشياء بطريقة إلكترونية آمنة، كما أنها أداة جيدة في المعاملات المالية وحجوزات السفر، لكن في المقابل لا بد أن يكون هناك وعي في طريقة استخدامها، خصوصاً الجانب الائتماني ومعدلات الفائدة.

قروض فردية

وتشير أحدث بيانات أصدرها مصرف الإمارات المركزي إلى أن البنوك العاملة في الدولة منحت قروضاً شخصية لـ«الأغراض الاستهلاكية» بقيمة 18.3 مليار درهم، خلال ثلاثة أشهر فقط، وتحديداً في الفترة من نهاية ديسمبر 2024 حتى مارس 2025، ليرتفع إجمالي قيمة القروض الشخصية للأغراض الاستهلاكية حتى نهاية مارس 2025 إلى 520.6 مليار درهم، مسجلة أعلى مستوى تصل إليه في تاريخها، مقابل 502.3 مليار درهم في نهاية ديسمبر الماضي.

توصيات

وأوصى الخبراء المصرفيون بعدد من الأمور التي تحمي حامل البطاقة وتحافظ على سجله الائتماني عالياً وهي: زيادة الوعي المالي للعميل عبر قراءة بنود العقد بعناية قبل التوقيع. كما يجب استخدام البطاقة كأداة دفع وليس كقرض، مع سداد الرصيد بالكامل كل شهر لتجنب الفوائد.

كذلك أوصى الخبراء المصرفيون بالالتزام بميزانية شهرية وعدم تجاوز القدرة المالية. وأوصوا كذلك بأنه في حالة وجود ديون يمكن التواصل مع البنك لإعادة هيكلة الدفعات أو اللجوء إلى برامج إدارة الديون التي تقدمها بعض الجهات في الإمارات.