مرونة الشركات.. مفتاح الاقتصاد الجديد في الإمارات

محمد المشرخ
محمد المشرخ

72% من الرؤساء التنفيذيين في الإمارات يرون الابتكار محوراً لاستراتيجياتهم
70 % من الرؤساء التنفيذيين دخلوا قطاعات جديدة خلال 5 سنوات

في اقتصاد تتغير فيه الأسواق والتقنيات وسلاسل القيمة بوتيرة متسارعة، لم تعد قدرة الشركات على الحفاظ على موقعها مرتبطة فقط بكفاءة عملياتها الحالية، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على قدرتها على إعادة النظر في وجهتها الاستثمارية، واستكشاف مجالات نمو جديدة، وتطوير نماذج أعمال قادرة على مواكبة التحولات.
وتكشف تحركات الشركات العالمية عن اتساع هذا الاتجاه، إذ أظهر الاستطلاع العالمي التاسع والعشرون للرؤساء التنفيذيين الصادر عن PwC، والذي شمل 4,454 رئيساً تنفيذياً في 95 دولة ومنطقة، أن 42 % من الشركات بدأت خلال السنوات الخمس الماضية المنافسة في قطاعات لم تكن تعمل فيها سابقاً. كما أظهر الاستطلاع ارتباط ارتفاع حصة الإيرادات القادمة من القطاعات الجديدة بهوامش ربح أعلى، وزيادة ثقة الرؤساء التنفيذيين في آفاق نمو شركاتهم.
ولا تعني هذه المؤشرات أن دخول قطاعات جديدة، يمثل بالضرورة الخيار الأفضل لكل شركة، لكنها تعكس تحولاً أوسع في مفهوم القدرة التنافسية، إذ أصبحت القدرة على قراءة التغيرات وإعادة توجيه رأس المال والموارد في الوقت المناسب، جزءاً من أدوات النمو والاستدامة.
تحرك مع مسار التنويع
وتبرز هذه الديناميكية بصورة واضحة في دولة الإمارات، بالتزامن مع مسار التنويع الاقتصادي، وتوسع القطاعات الجديدة، حيث تشير البيانات إلى أن 72 % من الرؤساء التنفيذيين في الدولة، يعتبرون الابتكار عنصراً محورياً في استراتيجيات أعمالهم، مقارنة بـ 50 % عالمياً.
كما دخل نحو 70 % من الرؤساء التنفيذيين في الإمارات قطاعات جديدة خلال السنوات الخمس الماضية، فيما يتعاون 53 % منهم مع الشركات الناشئة والجامعات والموردين وغيرهم من الشركاء الخارجيين لتسريع الابتكار، مقارنة بـ 33 % على المستوى العالمي.
ويقول محمد جمعة المشرخ المدير التنفيذي لـ «استثمر في الشارقة»، إن هذه المعطيات تكشف جانباً مهماً من عملية التنويع الاقتصادي، موضحاً أن إطلاق القطاعات الجديدة وتطوير التشريعات والحوافز، يفتح المجال أمام الاستثمار، فيما يتطلب تحويل هذه الفرص إلى نشاط اقتصادي، استعداد الشركات لتوجيه رأس المال إليها، وتبنّي التقنيات، وبناء الشراكات، وتطوير منتجات وخدمات ونماذج أعمال جديدة.
ولا تتوقف أهمية هذه القرارات عند حدود الشركات نفسها، بحسب المشرخ، إذ إن دخول شركة إلى قطاع جديد، يخلق طلباً على موردين وخبرات وخدمات، فيما يؤدي تبنّي تقنيات جديدة، إلى الحاجة لمهارات وقدرات مختلفة، بينما تفتح الاستثمارات والشراكات الجديدة المجال أمام أنشطة اقتصادية أخرى للنمو حولها.
صناعة الجاهزية
في ظل هذه التحولات، تتجاوز مسؤوليات الرئيس التنفيذي إدارة العمليات اليومية، وتحسين النتائج المالية، لتشمل مجموعة من القرارات الاستراتيجية التي قد تحدد موقع الشركة في السوق لسنوات مقبلة: أين يوجه الاستثمار؟ وما الفرص التي تستحق رأس المال؟ وأي التقنيات ينبغي تبنيها؟ ومع من يمكن بناء الشراكات؟ ومتى يصبح تغيير نموذج الأعمال أو دخول قطاع جديد ضرورة تنافسية؟
ومن هنا تبرز العلاقة بين مرونة الشركات ومرونة الاقتصاد. فكلما زادت قدرة الشركات على التحرك نحو القطاعات والفرص الجديدة، أصبح انتقال رأس المال والمعرفة والمهارات إلى مصادر جديدة للنمو أكثر سرعة.
ويؤكد المشرخ أن مرونة الاقتصاد تقاس بقدرته على التكيف وسرعة انتقال رأس المال والمعرفة والقدرات نحو مصادر جديدة للنمو، مشيراً إلى أن مرونة السياسات تهيئ المجال للتحرك، بينما تحدد مرونة الشركات، كيف ومتى تتحول الفرصة إلى قرار استثماري ونشاط اقتصادي.
معادلة واحدة للنمو
ولا تعمل الشركات بمعزل عن البيئة الاقتصادية والتنظيمية المحيطة بها، إذ تلعب التشريعات والبنية التحتية والوصول إلى رأس المال وبيئة الابتكار والحوافز الاستثمارية، دوراً في تحديد المساحة المتاحة أمامها للتوسع والتجربة، ودخول أسواق وقطاعات جديدة.
وتطرح هذه العلاقة جانباً رئيساً من النقاشات المرتقبة في منتدى الشارقة للاستثمار 2026، الذي ينظمه مكتب «استثمر في الشارقة»، تحت شعار «بناء اقتصادات مرنة» في دورته التاسعة، يومي 14 و15 أكتوبر في مركز الجواهر للمناسبات والمؤتمرات، بالتعاون مع وزارة الاستثمار في دولة الإمارات.
وتناقش إحدى جلسات المنتدى، بعنوان «دليل الرؤساء التنفيذيين: القيادة في ظل التحولات الدائمة» (The CEO Playbook)، كيفية إدارة الشركات في بيئة لا تتوافر فيها دائماً معلومات مكتملة، أو مسارات يمكن التنبؤ بها مسبقاً، وكيف يمكن لقادة الأعمال اتخاذ القرارات، وإعادة توجيه الموارد والاستثمارات مع تغير المعطيات.
ويقول المشرخ إن القيادة التنفيذية أصبحت عنصراً من عناصر الجاهزية الاقتصادية، لأن قرارات الرؤساء التنفيذيين، إلى جانب قرارات آلاف الشركات الأخرى، تحدد مدى سرعة استجابة القطاع الخاص للتحولات التي تشهدها الأسواق.
وفي هذه المعادلة، لا يتعلق الأمر بالقرار وحده، وإنما بتوقيته، وسرعة تنفيذه، وقدرة الشركة على تعديل مسارها عندما تتغير الظروف. فمع تسارع التحولات التكنولوجية والاقتصادية، قد تتحول سرعة إعادة توزيع رأس المال والموارد من مجرد ميزة تنافسية، إلى عامل أساسي في قدرة الشركات والاقتصادات على خلق مصادر جديدة للنمو.