تواصل دولة الإمارات ترسيخ موقعها على خريطة السياحة العالمية، عبر استراتيجية متكاملة تتجاوز مفهوم «الموسمية»، الذي ارتبط طويلاً بالسياحة في المنطقة، لتتحول إلى وجهة قادرة على استقطاب الزوار على مدار العام، بما في ذلك خلال أشهر الصيف.
وقال الدكتور شون لوخري، الأستاذ المشارك في جامعة هيريوت-وات دبي، إن الإمارات تعمل على تغيير الصورة التقليدية التي كانت تربط السياحة فيها بالفترة الممتدة من أكتوبر إلى أبريل، عندما تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالاً، مشيراً إلى أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، وتنوع المنتجات والتجارب السياحية، واتساع أجندة الفعاليات، أسهمت في تعزيز قدرة الدولة على جذب الزوار في مختلف أوقات السنة.
وأوضح لوخري أن أحد أبرز محاور هذه الاستراتيجية يتمثل في تطوير وجهات سياحية وترفيهية واسعة النطاق ومكيفة، تتيح للزوار الاستمتاع بتجارب متنوعة بعيدًا عن تأثير الظروف المناخية، مؤكداً أن الإمارات ضخت استثمارات كبيرة في قطاعات التجزئة والترفيه والثقافة بهدف توفير تجارب عالمية المستوى على مدار العام.
وأشار لوخري إلى أن دبي تقدم نموذجاً واضحاً لهذا التحول، حيث تجاوز «دبي مول» مفهوم مركز التسوق التقليدي ليصبح وجهة متكاملة تجمع بين التسوق والترفيه، فيما يمثل «متحف المستقبل» نموذجاً للسياحة القائمة على الابتكار، ويستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
وفي أبوظبي، لفت لوخري إلى تنامي الدور الثقافي للقطاع السياحي، مع وجود مؤسسات ومعالم مثل متحف زايد الوطني ومتحف اللوفر أبوظبي، والتي تضيف بعداً ثقافياً إلى المنتج السياحي الإماراتي، وتدعم قدرة الإمارة على جذب الزوار بعيدًا عن مواسم السياحة التقليدية.
الفعاليات.. محرك للسياحة طوال العام
وأكد الأستاذ المشارك في جامعة هيريوت-وات دبي أن أجندة الفعاليات الإماراتية أصبحت أحد المحركات الرئيسية للطلب السياحي، من خلال استضافة المعارض الدولية والفعاليات الرياضية والمهرجانات الثقافية التي تستقطب الزوار من داخل المنطقة وخارجها.
وأشار إلى أن «مهرجان دبي للتسوق» تحول إلى فعالية رئيسية تجمع بين التسوق والترفيه، فيما يمثل سباق «الجائزة الكبرى» للفورمولا 1 في أبوظبي أحد أبرز الأحداث الرياضية العالمية التي تعزز مكانة الإمارة في سياحة الفعاليات.
وأضاف لوخري أن نمو سياحة الأعمال والمؤتمرات والمعارض والفعاليات يسهم بدوره في دعم الطلب السياحي خلال فترات مختلفة من السنة، ويساعد الفنادق والمرافق السياحية على الحفاظ على مستويات إشغال أكثر استقرارًا، بدلًا من الاعتماد الكامل على مواسم الذروة التقليدية.
الصيف.. من تحدٍ مناخي إلى فرصة سياحية
وأشار لوخري إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف يمثل تحديًا معروفًا للسياحة في الإمارات، إلا أن الدولة طورت استراتيجيات للتعامل مع هذا التحدي وتحفيز السفر خلال الأشهر الأقل ازدحاماً.
وأوضح أن حملات مثل «مفاجآت صيف دبي» تقدم حوافز تشمل الخصومات والعروض الترفيهية والباقات الفندقية، بهدف تشجيع السياحة الدولية والمحلية، فيما تتجه الفنادق والمنتجعات بصورة متزايدة إلى تقديم عروض للإقامة القصيرة تجذب المقيمين والزوار الإقليميين.
ولفت كذلك إلى أن «عروض صيف 2026» في الشارقة تمثل نموذجاً آخر لتوظيف العروض الموسمية في تنشيط السياحة ودعم قطاعات الفنادق والتجزئة والترفيه خلال فترة انخفاض الطلب التقليدي.
من المدن إلى الجبال والصحراء
وأكد لوخري أن استراتيجية الإمارات لا تقتصر على تطوير الوجهات الحضرية، وإنما تمتد إلى تنويع المنتج السياحي من خلال الطبيعة والمغامرات والمنتجعات الصحية والتجارب البيئية.
وأشار إلى أن المناطق الجبلية والصحراوية أصبحت جزءاً متزايد الأهمية من منظومة السياحة الإماراتية، موضحاً أن حتا برزت كوجهة لمحبي المشي لمسافات طويلة والتجديف بالكاياك والسياحة البيئية، بينما تواصل رأس الخيمة تعزيز حضورها من خلال الجبال والشواطئ وتجارب المغامرات، ومنها الانزلاق بالحبال والرحلات الجبلية.
وقال إن هذا التنوع يساعد الإمارات على توسيع قاعدة زوارها لتشمل، إلى جانب الباحثين عن التسوق والترفيه الحضري، المسافرين الراغبين في المغامرة والطبيعة والتجارب المختلفة.
استراتيجية تتجاوز السياحة إلى الاقتصاد
وخلص لوخري إلى أن جهود الإمارات لترسيخ موقعها كوجهة سياحية على مدار العام تأتي ضمن استراتيجية أوسع لتنويع الاقتصاد وتعزيز القدرة التنافسية عالمياً.
وأكد أن الاستثمار في البنية التحتية والفعاليات والمعالم الثقافية والمنتجات السياحية المتنوعة، إلى جانب تطوير التجارب الداخلية والشراكات السياحية الإقليمية، يساعد الدولة على تقليل الاعتماد على الطلب الموسمي وتعزيز تدفق الزوار طوال العام.
ورغم استمرار التحديات المرتبطة بالمناخ، يرى لوخري أن توسع الإمارات في الوجهات الداخلية المكيفة، والمعالم الثقافية، والفعاليات الدولية، وتجارب الطبيعة والمغامرات، يعزز قدرتها على التكيف مع أنماط السفر المتغيرة.
وأكد أن استمرار الاستثمارات وتطور شبكات الربط والابتكار في المنتجات السياحية من شأنه أن يواصل إعادة تشكيل مفهوم موسمية السفر في المنطقة، بما يعزز مكانة الإمارات كإحدى أكثر الوجهات السياحية طموحًا وقدرة على التكيف والمنافسة عالمياً.

