«الدرهم الرقمي» جزء من برنامج التحول في البنية التحتية المالية
صندوق النقد: الخدمات المالية صناعة رئيسية في الإمارات تسعى لتصديرها
10 آلاف شركة تكنولوجيا مالية مسجلة ونشطة في مركز دبي المالي العالمي
لم تعد دولة الإمارات بحاجة إلى بذل جهود مضنية لإقناع شركات التكنولوجيا المالية بالقدوم إليها؛ فقد تجاوزت هذه المرحلة لتصبح وجهة عالمية تتسابق إليها المؤسسات الكبرى، بحسب موقع «ذا فينتك تايمز».
واليوم، تخوض دبي وأبوظبي منافسة لجذب البنوك الدولية، وصناديق التحوط، وشركات العملات المشفرة وأنظمة الدفع، فضلاً عن المكاتب العائلية ورواد الأعمال في مجال التكنولوجيا المالية.
وفي هذا المشهد المتطور، باتت الخدمات المصرفية الرقمية ونماذج «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» جزءاً من الحياة اليومية، في حين تمضي الدولة بخطى حثيثة لتطوير عملتها الرقمية الخاصة بالبنك المركزي.
وحدث هذا التحول بسرعة مذهلة؛ فبعد أن كانت الإمارات تُصنف في عام 2024 مركزاً ناشئاً للتكنولوجيا المالية، أصبح السؤال الأبرز في عام 2026 هو ما إذا كانت الدولة قد تحولت بالفعل إلى الوجهة الرئيسية التي تُبنى فيها البنية التحتية المالية للجيل المقبل.
ورغم أن قطاعي النفط والغاز لا يزالان يمثلان ركيزة أساسية للاقتصاد الإماراتي، إلا أن النموذج الاقتصادي للدولة اتسع نطاقه بشكل لافت؛ فقد نجحت دبي في ترسيخ مكانتها مركز أعمال دولياً بفضل قطاعات التجارة، والطيران، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والعقارات، والخدمات المالية والتكنولوجية، واستثمرت أبوظبي ثرواتها السيادية الضخمة لتطوير قطاعات التمويل، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي.
صندوق النقد
ورغم التعقيدات التي شابت المشهد الاقتصادي خلال عام 2026 جراء الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية، أشاد صندوق النقد الدولي بمتانة الاقتصاد الإماراتي الأساسي، متوقعاً انتعاشاً قوياً في عام 2027 مع تعافي قطاعي إنتاج الهيدروكربونات والقطاعات غير النفطية؛ فهذا التنويع يحمل أهمية كبرى؛ إذ لم تعد الخدمات المالية مجرد قطاع داعم للاقتصاد، بل أضحت صناعة رئيسية تسعى الدولة لتصديرها إلى العالم.
وتتجلى أوضح الأدلة على بلوغ التكنولوجيا المالية مستوى النضج في مركز دبي المالي العالمي الذي تجاوز بنهاية النصف الأول من هذا العام حاجز الـ10 آلاف شركة مسجلة ونشطة، والأهم من ذلك، أن عدد الشركات العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والابتكار بلغ 1933 شركة، مسجلاً نمواً سنوياً قدره 39 %؛ واحتضن المركز 1134 شركة خدمات مالية خاضعة للتنظيم، وهي أرقام تبرهن على التطور الهائل الذي شهده النظام البيئي منذ عام 2024.
ولم تعد الساحة مقتصرة على الشركات الناشئة في مراحلها الأولى، بل باتت تضم مؤسسات مالية عالمية، وشركات تكنولوجية، ومستثمرين، وشركات تكنولوجيا مالية آخذة في التوسع تعمل جنباً إلى جنب.
وفي الوقت ذاته، تقدم أبوظبي نموذجاً مكملاً عبر سوق أبوظبي العالمي الذي بنى نقاط قوة استثنائية في مجالات إدارة الأصول، والأصول الرقمية، والتمويل المؤسسي، مما أثمر عن وجود مركزين متكاملين للتكنولوجيا المالية داخل دولة واحدة.
وانعكس هذا النضج أيضاً على الشركات المحلية التي أثبتت قدرتها على التوسع خارج حدود السوق المحلي المحدود نسبياً؛ فقد برزت شركة «تابي» واحدة من أشهر شركات التكنولوجيا المالية في المنطقة عبر نموذج «اشترِ الآن وادفع لاحقاً»، لتتوسع لاحقاً في تقديم خدمات مالية استهلاكية أوسع.
وتبرز أمثلة أخرى مثل «بنك ويو» الذي يجسد التداخل المتنامي بين التكنولوجيا المالية والخدمات المصرفية الرقمية الخاضعة بالكامل للتنظيم، وتطبيق «إي آند موني» الذي وسّع نطاق المدفوعات والتحويلات المالية عبر منظومة الاتصالات الشاملة لشركة «إي آند»؛ فهذا التطور يمثل نقلة نوعية لسوق كان يعتمد بكثافة على استيراد التكنولوجيا العالمية، ليصبح اليوم مصدراً للشركات والحلول المالية المبتكرة.
الدرهم الرقمي
أما المشروع الأكثر طموحاً في مجال التكنولوجيا المالية، فيأتي من مصرف الإمارات المركزي. إذ يشكل «الدرهم الرقمي» جزءاً من برنامج التحول في البنية التحتية المالية، الذي يشمل تطوير عملة رقمية للبنك المركزي للاستخدامين المحلي للأفراد والجملة، إلى جانب تجارب في المدفوعات العابرة للحدود.
كما شاركت الإمارات في مشروع «mBridge» لاستكشاف قدرة العملات الرقمية للبنوك المركزية على تسهيل تسوية التجارة الدولية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لدولة تقع عند تقاطع ممرات تجارية حيوية تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، فضلاً عن اعتمادها الكبير على التحويلات المالية العابرة للحدود.
منصة «آني»
وبالتوازي مع ذلك، لا يتعين على المستهلكين الانتظار حتى إطلاق العملة الرقمية للتمتع بمدفوعات أسرع؛ فمنصة «آني» التي تديرها شركة «الاتحاد للمدفوعات»، تتيح تحويلات فورية من حساب إلى آخر باستخدام معرفات بسيطة مثل أرقام الهواتف المحمولة بدلاً من التفاصيل المصرفية المعقدة.
وتأتي هذه المنصة ضمن إصلاح شامل للبنية التحتية للمدفوعات في الدولة، جنباً إلى جنب مع المنظومة المحلية لبطاقات الدفع «جيوان» تهدف هذه المبادرات إلى تقليل الاعتماد على البنى التحتية الأجنبية وخلق شبكات وطنية يمكن أن تعتمد عليها منتجات التكنولوجيا المالية المستقبلية، وهي خطوة استراتيجية بالغة الأهمية لدولة تطمح لأن تكون مركزاً مالياً عالمياً يمتلك بنيته التحتية الخاصة.
التشريعات التنظيمية
وأكد التقرير أنه خلف هذا المشهد المزدهر، تبرز التشريعات التنظيمية كواحدة من أهم نقاط القوة غير المرئية للإمارات؛ حيث يمكن للشركات العمل تحت مظلة مصرف الإمارات المركزي على المستوى الاتحادي، أو من خلال سلطة دبي للخدمات المالية في مركز دبي المالي العالمي، أو هيئة تنظيم الخدمات المالية في سوق أبوظبي العالمي.
وبدلاً من تقييد الابتكار، نجحت هذه البيئات التنظيمية المتنوعة في استيعاب كل شيء، بدءاً من الخدمات المصرفية التقليدية وصولاً إلى الأصول الرقمية؛ فقد بلغ عدد الشركات المنظمة في مركز دبي المالي العالمي وحده 1052 شركة بحلول نهاية عام 2025، مع استمرار نمو الأصول الخاضعة للإدارة، ويتمثل التحدي الراهن في الحفاظ على هذه السمعة التنظيمية المرموقة مع تضخم حجم السوق وازدياد تعقيده.
وبالنظر إلى المستقبل، تبدو طموحات الإمارات في مجال التكنولوجيا المالية لعام 2026 مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبل سنوات قليلة؛ فالدولة تمتلك الآن بنوكاً رقمية، وشركات مليارية (يونيكورن)، وأنظمة دفع فورية، وبطاقات دفع محلية، ومركزين ماليين عالميين، ونحو 2000 شركة ابتكارية في مركز دبي المالي العالمي وحده.
وختم الموقع تقريره بالقول: «رغم التحديات الإقليمية التي حملها عام 2026، تواصل الدولة توسعها للحفاظ على مكانتها مركزاً محورياً عالمياً وإقليمياً؛ فالمرحلة المقبلة تتمحور حول ربط هذه الإنجازات ببعضها البعض؛ حيث يستعد «الدرهم الرقمي» لإعادة تشكيل التسويات المحلية والدولية، ويتعمق دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية، وتنافس دبي وأبوظبي بقوة لجذب المؤسسات التي كانت تفضل تلقائياً التوجه إلى لندن أو سنغافورة أو هونغ كونغ».
وأضاف: «لقد أمضت الإمارات العقد الماضي في بناء نظام بيئي للتكنولوجيا المالية، ويبدو طموحها للعقد القادم أكبر بكثير: تحويل التكنولوجيا المالية ذاتها إلى سلعة تصديرية جديدة لاقتصاد أمضى عقوداً في تعلم كيفية الازدهار بعيداً عن النفط».
