كشف تقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي عن «تقييم مؤسسي» دقيق لمرونة الاقتصاد الإماراتي وقدرته الفائقة على الصمود، بعد مرور نحو 5 أشهر على اندلاع الحرب الإقليمية، وإغلاق مضيق هرمز فعلياً منذ أواخر فبراير الماضي، حيث أوضح التقرير أن هناك 4 مسارات اقتصادية حمت الإمارات من «عاصفة هرمز».
وأكد الصندوق أن الاقتصاد الإماراتي أظهر صموداً كبيراً، محدداً أربعة عوامل أساسية ومؤرخة، قادت إلى احتواء التأثير الكلي للصدمة، وهي: أساسيات الاقتصاد الكلي المتينة، وهوامش الأمان والاحتياطيات المالية الواسعة، والجاهزية المسبقة المتقدمة، والاستجابة السريعة للسياسات.
وأوضح صندوق النقد الدولي في تقريره، الذي نقلته مجلة ومنصة «كابيتال فاينانس إنترناشيونال» ومقرها لندن، أن تدابير الدعم الواردة في الوقت المناسب والموجهة بدقة نجحت في الحفاظ على الاستقرار المالي، وحماية سلاسل التوريد الأساسية، ودعم ثقة السوق.
وتوقع التقرير أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي الإجمالي انخفاضاً طفيفاً، خلال العام الجاري، بعد التوسع القوي في عام 2025، مع تركز التباطؤ في الأنشطة غير النفطية، مرجحاً حدوث انتعاش في النصف الثاني مع تعافي الصادرات.
وتوقع الصندوق أن يتعزز النمو في عام 2027 مع زيادة إنتاج الهيدروكربونات، مشيراً إلى أن الميزانية العامة ستظل في حالة فائض، بفضل عائدات النفط المواتية والموازنة المحافظة، في حين يوفر انخفاض الدين العام حيزاً مالياً كافياً للدولة؛ وهو ما يمثل إنجازاً استثنائياً لاقتصاد يواجه حرباً على حدوده، وإغلاقاً لأهم شريان لتصدير النفط في المنطقة.
سياسات نقدية
ولعبت الاستجابة السريعة للسياسات النقدية دوراً حاسماً في تحقيق هذا الصمود؛ ففي 17 مارس الماضي اعتمد مجلس إدارة مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي حزمة مرونة المؤسسات المالية، والتي تضمنت تعزيز الوصول إلى الأرصدة الاحتياطية بنسبة تصل إلى 30 % من متطلبات الاحتياطي النقدي، وتوفير سيولة لأجل بالدرهم والدولار، ومنح إعفاءات مؤقتة لنسب السيولة والتمويل المستقر، وإطلاق مصدات مواجهة التقلبات الدورية، والحفاظ على رأس المال، ومنح مرونة لتأجيل تصنيف القروض للمقترضين المتضررين، مع توجيه صريح للبنوك بمواصلة تمويل العملاء.
واستندت هذه الحزمة إلى جدار حماية مالي ضخم، كشف عنه المصرف المركزي في اليوم ذاته، متمثلاً في احتياطيات من النقد الأجنبي تتجاوز تريليون درهم (نحو 270 مليار دولار)، ونسبة تغطية للقاعدة النقدية بلغت 11 %.
وبحلول 8 مايو بلغ إجمالي التسهيلات المستغلة ضمن الحزمة 6.2 مليارات درهم، استفاد منها 65379 مستفيداً، معظمهم من الأفراد، إلى جانب 4335 شركة صغيرة، و485 شركة كبرى؛ وهو رقم يمثل نسبة ضئيلة جداً مقارنة بحجم القطاع المصرفي البالغ 5.4 تريليونات درهم، ما يثبت أن وجود هذا الغطاء المالي كان كافياً لبث الطمأنينة في الأسواق، لدرجة أن أصول القطاع المصرفي نمت بنسبة 2.1 %، والقروض بنسبة 3.2 %، والودائع بنسبة 1.9 % خلال شهري مارس وأبريل.
تحويل مسار صادرات النفط
وعلى صعيد قطاع الطاقة شكل تحويل مسار الصادرات النفطية المصدّ الثاني للصدمات؛ حيث جرى نقل النفط الخام - الذي كان يُشحن عبر الخليج - عبر خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» المطل على خليج عمان، والذي تقدر وكالة الطاقة الدولية طاقته الاستيعابية بنحو 1.8 مليون برميل يومياً، وفي 15 مايو وجهت القيادة بتسريع وتيرة بناء خط ثانٍ إلى الفجيرة، ومن المتوقع أن يؤدي هذا المشروع إلى مضاعفة قدرة التصدير هناك عند تشغيله في عام 2027.
وكان الرئيس التنفيذي لشركة «أدنوك»، معالي الدكتور سلطان بن أحمد الجابر، قد وصف إغلاق المضيق بأنه تسبب في نقص قدره مليار برميل من النفط على المستوى العالمي، ما جعل البراميل التي تتجنب المرور عبر المضيق تحقق قيمة استراتيجية عالية للغاية، وهو ما انعكس على الحسابات الخارجية للدولة؛ حيث أعلن المصرف المركزي في 6 يوليو عن عودة ميزان المدفوعات الإماراتي إلى النطاق الإيجابي.
وأعادت الحرب تشكيل سياسة النفط الإماراتية بعد انتهاء عضويتها في منظمة «أوبك» في الأول من مايو بعد 59 عاماً، ما حرر إنتاجها من الحصص، التي كانت تقيده عند نحو 3.4 ملايين برميل يومياً، ليصبح الطريق ممهداً للوصول إلى الهدف المعلن، وهو إنتاج 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، وهو ما يدعم توقعات صندوق النقد بحدوث انتعاش قوي في ذلك العام.
وأكد الخبراء أن «النموذج الإماراتي» فريد من نوعه؛ فبينما يمكن لأي وزارة مالية خليجية تبني النصف الهيكلي والمؤسسي المتعلق بتراكم الفوائض الموازنية، وإدارة الميزانيات بحذر، وبناء حزم الإنقاذ المسبقة، فإن النصف الآخر المتعلق بالجغرافيا والتنويع الاقتصادي يبقى فريداً، وغير قابل للشراء الفوري؛ فالإمارات تمتلك ساحلاً يتجاوز مضيق هرمز، كما استثمرت على مدار عقدين في التحول من شحن البضائع إلى تصدير المعرفة والذكاء الاصطناعي.


