دبي ترسخ ريادتها في البلوكتشين وترميز العقارات عالمياً

تواصل دبي تعزيز موقعها أحد أبرز المراكز العالمية في تبني تطبيقات البلوكتشين على المستوى الحكومي، مع انتقال تقنيات الأصول الرقمية من مرحلة التجارب إلى الاستخدام الفعلي في تسجيل الملكيات العقارية وترميزها ضمن منظومات رقمية متقدمة.

وبحسب تحليل منشور في موقع «ديلي كوين»، فإن دبي تعد اليوم من أبرز النماذج العالمية التي تطبق البلوكتشين في البنية التحتية الحكومية، من خلال تسجيل بعض عقود الملكية العقارية وربطها بشبكات بلوكتشين، من بينها شبكة XRP، في خطوة تعكس توجهاً عملياً لا يقتصر على الابتكار التقني بل يمتد إلى إعادة تشكيل آليات إدارة الأصول العقارية.

وفي هذا السياق نقل التحليل عن الدكتورة كاميلا ستيفنسون قولها: «تقوم دائرة الأراضي والأملاك في دبي بتسجيل سندات الملكية العقارية على شبكة البلوكشين. هذا ليس مجرد مشروع تجريبي، بل هو سوق حي وفعّال»، مضيفة أن «بينما تتجادل الولايات المتحدة حول الجهة المسؤولة عن الإشراف، قامت دبي ببناء النظام بالفعل»، في إشارة إلى الفجوة بين التنفيذ العملي في دبي والجدل التنظيمي في أسواق أخرى.

ويكتسب هذا التوجه أهمية استثنائية نظراً لطبيعة السجلات العقارية، التي تُعد من أكثر أنظمة البيانات حساسية واستقراراً على مستوى العالم، حيث تعتمد عليها الدول في توثيق الملكية وحماية الحقوق القانونية للأفراد والمؤسسات لعقود طويلة. وبالتالي فإن نقل جزء من هذه المنظومة إلى بنية رقمية قائمة على البلوكشين يعكس مستوى متقدماً من الثقة في التكنولوجيا المستخدمة، وفي قدرتها على توفير الاستمرارية والأمان والشفافية.

ويشير محللون إلى أن الخطوة تمثل انتقالاً من «تجريب البلوكشين» إلى «تشغيل البلوكشين»، أي من الاستخدامات التجريبية المحدودة إلى تطبيقات مرتبطة بالبنية التحتية الحكومية الفعلية، وهو ما يضع دبي في موقع متقدم مقارنة بالعديد من المراكز المالية العالمية التي لا تزال تناقش الأطر التنظيمية لهذه التقنيات دون تطبيقات واسعة النطاق.

وفي قلب هذا التحول يبرز مفهوم «ترميز العقارات»، وهو عملية تحويل الأصول العقارية إلى وحدات رقمية قابلة للتجزئة والتداول، ما يفتح الباب أمام نماذج استثمار جديدة، حيث يمكن للمستثمرين الأفراد الدخول إلى السوق العقاري عبر حصص صغيرة قد تبدأ من نحو 500 دولار، بدلاً من شراء العقارات بالكامل، ما يعزز سيولة السوق ويوسع قاعدة المستثمرين عالمياً.

ويأتي هذا النموذج في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على استقطاب الاستثمارات في الأصول الرقمية، بينما لا تزال بعض الأسواق الكبرى، خصوصاً في الولايات المتحدة، تواجه تحديات تنظيمية وتشريعية تتعلق بتحديد الجهة الرقابية المختصة بالأصول المشفرة وسجلاتها الرقمية، وهو ما يخلق فجوة بين «التنظيم» و«التطبيق» لصالح المراكز التي تتحرك بسرعة تنفيذية أعلى.

كما يعكس هذا التحول في دبي رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى دمج التقنيات الناشئة في القطاعات الاقتصادية الحيوية، وعلى رأسها القطاع العقاري، الذي يُعد أحد أعمدة الاقتصاد المحلي، حيث يتيح الترميز الرقمي إمكانية إعادة هيكلة طريقة تمويل وامتلاك وإدارة العقارات بطريقة أكثر مرونة وشفافية.

وفي المقابل، يشير خبراء إلى أن هذا النموذج لا يخلو من تحديات، أبرزها الحاجة إلى تطوير أطر قانونية متقدمة تنظم تداول الحصص الرقمية للعقارات، إضافة إلى ضمان استقرار الأسواق الثانوية المرتبطة بها، وتحديد آليات واضحة لحوكمة البيانات وحماية المستثمرين.

ورغم هذه التحديات، يُنظر إلى تجربة دبي باعتبارها واحدة من أكثر النماذج تقدماً على مستوى العالم في تطبيق البلوكشين الحكومي الفعلي، ليس فقط من زاوية الابتكار التقني، بل من زاوية إعادة تعريف العلاقة بين الأصول التقليدية والبنية الرقمية الحديثة، بما قد يشكل نموذجاً يُحتذى به في أسواق أخرى خلال السنوات المقبلة.