الإمارات تقود التحول من التجارة إلى الشبكات الاقتصادية العالمية


أكّد معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي وزير التجارة الخارجية، في مقال له منشور بمجلة Horizons الأوروبية، الصادرة عن مركز العلاقات الدولية والتنمية المستدامة (CIRSD)، أنه في المرحلة الحالية من التطور الاقتصادي العالمي، لم يعد النفوذ يُعرَّف أساساً بالحجم، أو الهيمنة، أو القدرة على فرض النتائج، وبدلاً من ذلك، أصبح يتشكل بشكل متزايد من خلال القدرة على التواصل والربط، أي ربط الأسواق، والأفكار، والشعوب عبر الأقاليم، بطرق تخلق قيمة اقتصادية مستدامة.

وأشار إلى أنّ «في عصر يتسم بالتحديات المترابطة، والفرص الموزعة على نطاق واسع، فإن الدول الأكثر أهمية، هي تلك القادرة على بناء شبكات مستدامة، ومرنة، وعابرة للقارات»، مضيفاً: «في ظل المناخ الحالي من التوترات الجيوسياسية وعدم الاستقرار الإقليمي، تصبح هذه القدرة على الحفاظ على الترابط أمراً ضرورياً، إذ تُشكل حجر الزاوية للاستقرار، والنمو الاقتصادي، ورفاهية الشعوب في كل مكان».

وأضاف: «الترابط، وليس السيطرة، هو ما يصوغ بشكل متزايد كيفية مساهمة الدول في الاستقرار والازدهار العالمي، وهذا الفهم هو ما يحدد الهوية الاستراتيجية لدولة الإمارات، حيث وضعت الإمارات نفسها، عن وعي وقصد، في مكانة صِلة الوصل الموثوقة: أمة تسهل التجارة، وتُمكّن الشراكات، وتدعم الابتكار عبر القارات، وفي مختلف مراحل التنمية».

واستطرد: «وبفضل موقعها عند ملتقى الطرق بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، استفادت دولة الإمارات من الجغرافيا، والبنية التحتية، ومرونة السياسات، لتسهيل تدفقات التجارة والاستثمار، لتصبح مركزاً للترابط العالمي، والأهم من ذلك، أنها فعلت ذلك مع التركيز على الشراكة، والعمل مع دول في مراحل تنموية مختلفة، لخلق قيمة اقتصادية مشتركة ومستدامة».

وشدد على أن هذا النهج يعكس القناعة بأن الازدهار في القرن الحادي والعشرين ستصوغه الاستدامة، والتعاون، والقدرة على الانخراط بشكل بنّاء ومتواصل على مدى فترات زمنية أطول، مشدداً على أنّ الإمارات استثمرت بشكل مكثف في مرونة البنية التحتية والقدرات اللوجستية، والموانئ، والأنظمة الجمركية، والمنصات الرقمية، لضمان بقاء هذا الجسر بين الأسواق قيد التشغيل والعمل».

وقال: «في مسيرتي المهنية الشخصية، التي شملت مجالات الهندسة، والطاقة، وسياسات الاستدامة، والتجارة العالمية، كان هناك درس مركزي واحد: وهو أنه لا يمكن السعي وراء النمو الاقتصادي، والمسؤولية البيئية، والمواكبة بعيدة المدى بمعزل عن بعضها البعض، فأنظمة الطاقة تشكل التنافسية الصناعية، وسياسات المناخ تؤثر في قرارات الاستثمار، والأطر التجارية تحدد كيفية توسع الابتكار وانتقاله عبر الحدود، لذا، إن فهم هذه الترابطات يعد أمراً ضرورياً للتنقل بفعالية عبر التحولات الاقتصادية اليوم».

وفي السنوات الأخيرة، انتقل مركز ثقل النمو والابتكار العالمي، حيث باتت الاقتصادات الناشئة تستحوذ الآن على حصة متزايدة من الطلب والإنتاج العالمي، مع تشكُّل ممرات تجارية جديدة بينها، قائمة على نقاط القوة المتكاملة، بدلاً من العلاقات الهرمية، كما لا يشير هذا التنوع في النفوذ الاقتصادي إلى تفكك العولمة، بل يمثل تطورها إلى نظام أكثر توزيعاً ومرونة، على حد تعبير معاليه.

وأضاف: «وقد استرشدت الاستراتيجية التجارية لدولة الإمارات بهذه الحقائق الجديدة، إذ تعتمد مكانتنا على الساحة العالمية على الانفتاح، والموثوقية، والشراكة. ومن خلال الاستثمار في الترابط — المادي والرقمي والتنظيمي — سعت الإمارات إلى تسهيل تدفق التجارة والاستثمار بين المناطق، مع دعم النمو الاقتصادي المستدام وطويل الأجل. وفي بيئة تواجه فيها التجارة العالمية حالة من عدم اليقين، يثبت هذا الالتزام بالشراكة والترابط المتنوع قيمته الاستراتيجية».

ومن خلال اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة -بحسب معاليه- عززت دولة الإمارات دورها كـ «رابط موثوق» في التجارة العالمية، ولم تُصمم هذه الاتفاقيات لخفض الحواجز فحسب، بل لتسهيل الوصول إلى الأسواق، ودعم الاستثمار، وتمكين التعاون الاقتصادي طويل الأجل عبر مختلف القطاعات.

واسترسل في المقال: «نحن نؤمن بأن الدول التي يمكنها ربط المنتجين بالأسواق، والمبتكرين برأس المال، ستلعب دوراً هاماً في الاستقرار العالمي.. وتجسد شبكة الإمارات التي تضم 35 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، التزامنا ببناء هذه الجسور، حتى في الوقت الذي تختبر فيه التحديات الجيوسياسية سلاسل التوريد العالمية».

وشدد على أنّ «التنمية المستدامة أصبحت ركيزة أساسية ضمن هذا النهج، إذ تفرض قيود الموارد والتحديات الصحية العامة مخاطر متزايدة على الاستقرار الاقتصادي، لا سيما في المناطق سريعة النمو، ما يؤكد الحاجة إلى التعاون عبر الحدود والقطاعات، كما يؤدي عدم الاستقرار الإقليمي إلى النتيجة نفسها، حيث يؤكد تشتت سلاسل التوريد، وانقطاع الطاقة، والاختناقات اللوجستية، أن تنويع المصادر والمسارات لم يعد أمراً اختيارياً، بل هو أمر أساسي للمرونة الاقتصادية، ولهذا السبب، نحن ندعم الممرات الاقتصادية بين دول الجنوب، ومبادرات الأمن الغذائي، والأطر الناشئة للتجارة الخضراء.. إن مستقبل العولمة ستحدده جودة الشراكات التي تستطيع الدول بناءها».

إعادة تصور التجارة

ومع تزايد ترابط الاقتصاد العالمي وتعقيده، كان على السياسة التجارية أن تتطور وفقاً لذلك، ورغم أن النهج التقليدي — الذي يركز في المقام الأول على خفض التعرفات الجمركية، وتسهيل الوصول إلى الأسواق للسلع — لا يزال مهماً، إلا أنه لم يعد كافياً بمفرده، فاليوم، تعمل التجارة بشكل متزايد كمنظومة متكاملة (منظومة بيئية)، تشمل الخدمات، والاستثمار، والتدفقات الرقمية، والخدمات اللوجستية، والمعايير، والتعاون التنظيمي.

وبالنسبة لصناع السياسات، يتطلب هذا نهجاً أكثر شمولاً واستشرافاً للمستقبل، إذ يجب أن تعالج السياسة التجارية الحديثة المجموعة الكاملة من الشروط والظروف التي تسمح للشركات بالعمل عبر الحدود بشكل قابل للتنبؤ.

ويقول معاليه: «يشمل ذلك الإجراءات الجمركية، والبنية التحتية للتجارة الرقمية، وحماية الملكية الفكرية، ومواءمة المعايير الفنية، كما يتضمن خلق مسارات للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، للمشاركة في سلاسل القيمة العالمية، وليس فقط الشركات الكبرى متعددة الجنسيات.. إن الوصول الشامل إلى فرص التجارة أمر أساسي لاستدامة النمو عبر الأقاليم والمناطق».

وبيّن أن أجندة التجارة الخارجية لدولة الإمارات ركزت على تقليل العقبات عبر عملية التجارة بكاملها، من خلال تقليص أوقات التخليص الجمركي، وتحديث الأنظمة الجمركية، ودعم التحول الرقمي، وضمان أن تكون البيئات التنظيمية شفافة وقابلة للتنبؤ، لذا، غالباً ما تكون هذه التدابير أقل بروزاً من الإعلانات الكبرى لخفض التعرفات الجمركية، لكنها حاسمة لخفض التكلفة الفعلية لممارسة الأعمال التجارية، وتشجيع الاستثمار طويل الأجل.

وتعد المرونة عاملاً رئيساً أيضاً، حيث يتطلب توفير سلاسل توريد متنوعة، وعلاقات تجارية موثوقة، رعاية شراكات تدعم الاستمرارية، والقدرة على التكيف، والموثوقية المتبادلة، مشدداً على أنّ «الاتفاقيات التجارية يجب أن تُصمم، ليس فقط لزيادة أحجام التجارة، بل لتقوية الروابط اللوجستية والمؤسسية، التي تسمح للاقتصادات بالتكيف في أوقات الاضطرابات، فالأطر التجارية المبنية على المرونة التشغيلية — التي تمتلك القدرة على استيعاب الاضطرابات، ومصممة لضمان الاستمرارية، بدلاً من التكيف مع الظروف المثالية وحدها — تثبت أنها أكثر ديمومة بكثير عند اختبارها».

علاوة على ذلك، أصبحت الاعتبارات المستدامة الآن جزءاً من هذه المعادلة التجارية الأوسع، حيث تشكل بشكل متزايد قرارات الإنتاج وطلب المستهلكين، ونتيجة لذلك، يجب أن تدعم الأطر التجارية التحول نحو نماذج اقتصادية أكثر استدامة، مع الحفاظ على التنافسية، ويشمل ذلك تسهيل التجارة في السلع والخدمات البيئية، ودعم الخدمات اللوجستية والبنية التحتية المستدامة، وتشجيع الاستثمار في التقنيات النظيفة.

اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة

وتدرك دولة الإمارات أن النمو المستدام يعتمد بشكل متزايد على جودة الروابط الاقتصادية، وقد صُممت اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، لإنشاء أطر واضحة وموثوقة، تدعم تجارة السلع، إلى جانب الاستثمار، وتجارة الخدمات، والتعاون التنظيمي.

وقال معاليه: «قد قدمت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات والهند، والتي أُبرمت في عام 2022، نموذجاً مبكراً لكيفية قيام مثل هذه الاتفاقيات بربط أسواق ضخمة وديناميكية، من خلال صفقة تجارية متكاملة، وتوجز الاتفاقيات اللاحقة، بما في ذلك الاتفاقيات مع أستراليا وتشيلي، التوجه الاستراتيجي نفسه، والمتمثل في تعميق الانخراط الاقتصادي، من خلال تعاون قائم على القواعد، يدعم النشاط التجاري طويل الأجل، عبر مختلف القطاعات».

وحتى الآن، أبرمت دولة الإمارات 35 اتفاقية، ما يؤكد مكانتها كمركز عالمي رائد للتجارة والاستثمار. وتساعد هذه الاتفاقيات في تشجيع التوسع التجاري، مع تسهيل الاستثمار والتعاون بين شركات القطاع الخاص.

ويدعم نظام اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، دور دولة الإمارات كصلة وصل وموصل بين المناطق، وقد وضعتها استثماراتها طويلة الأجل في الموانئ، والخدمات اللوجستية، والطيران، والبنية التحتية الرقمية، في موقع البوابة الممتدة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتكمل الاتفاقيات التجارية هذا الترابط المادي، من خلال مواءمة الأطر التنظيمية، وتقليل العوائق الهيكلية بين الاقتصادات الشريكة، ويمكّن هذا النهج الشركات من العمل عبر أسواق متعددة، بكفاءة وثقة أكبر، ومن خلال توسيع شراكات التجارة العالمية، وتسريع تطوير التجارة الخارجية غير النفطية، تعمل هذه الاتفاقيات على تعزيز قاعدة الصادرات الإماراتية، ودفع تجارتنا الخارجية غير النفطية إلى مستويات قياسية، ففي عام 2025، تجاوزت التجارة غير النفطية لدولة الإمارات حاجز الـ 1 تريليون دولار، وهو ما يضعنا على مسافة قريبة جداً من تحقيق هدفنا لعام 2031.

وأضاف: «من السمات البارزة للانخراط التجاري لدولة الإمارات، تركيزها على توسيع الترابط بين الاقتصادات سريعة النمو، حيث تتزايد تدفقات التجارة والاستثمار بين الاقتصادات النامية والناشئة بوتيرة متسارعة، مدفوعة بتوسع الأسواق الاستهلاكية، والتصنيع، والاعتماد التكنولوجي».

وأوضح أنّه «من خلال الانخراط مع هذه الأسواق، عبر الاتفاقيات الثنائية والحوار الاقتصادي، تهدف الإمارات إلى دعم الروابط ذات المنفعة المتبادلة، التي تعكس طموحات النمو المشترك، بدلاً من التبعيات غير المتكافئة، ويجري تعزيز هذه الاستراتيجية مؤسسياً، من خلال تأسيس وزارة مخصصة للتجارة الخارجية، ما يعكس الأهمية الممنوحة للتجارة كمحرك للتنويع الاقتصادي والشراكة الدولية، وينصب التركيز على الحفاظ على سياسة تجارية منفتحة على الخارج، وتظل مستجيبة للتغيرات العالمية، مع دعم أهداف النمو المحلي».

وأشاد معاليه بما تقدّمه أفريقيا من نموذج واضح لهذا الانخراط، قائلاً: «تعد دولة الإمارات الآن أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر الجديد للقارة، بضخ أكثر من 110 مليارات دولار، تم استثمارها في جميع أنحاء القارة بين عامي 2019 و2024».

واستطرد: «ومن خلال الشراكات المتنامية والجهود التعاونية، تهدف الإمارات إلى دعم مبادرات التنمية المستدامة، التي من شأنها تسريع النمو الاقتصادي متبادل المنفعة في المنطقة، وتحويل الأسواق ذات الإمكانات الواعدة إلى محركات نمو مستدامة.. ويُعد هذا نموذجاً للعالم أجمع، حيث نعيش في مشهد استثماري معولم، تتشابك فيه خطوط النمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، والاستقرار الدولي».

يؤكد معاليه مبيناً: «تسهم الاستدامة بشكل متزايد في تشكيل الظروف العملية التي تتم فيها عمليات التجارة والاستثمار، فالاضطرابات المرتبطة بالمناخ، وقيود الموارد، والتوقعات التنظيمية المتغيرة — فضلاً عن طلب المستهلكين — باتت اليوم عوامل جوهرية ومؤثرة في صنع القرار الاقتصادي».

وأضاف: «ونتيجة لذلك، أصبح دمج الاستدامة في استراتيجيات التجارة والنمو أمراً أساسياً لتعزيز التنافسية. ومن منظور تجاري، تؤثر الاستدامة في كل من العرض والطلب، إذ تتماشى تفضيلات المستهلكين، ومعايير المشتريات للشركات، وتوقعات المستثمرين، بشكل متزايد مع الأداء البيئي وكفاءة استخدام الموارد. وفي الوقت نفسه، يواجه المنتجون والمصدرون تعرضاً متزايداً للمخاطر المرتبطة بالمناخ، بدءاً من الاضطرابات في الخدمات اللوجستية والزراعة، وصولاً إلى ارتفاع تكاليف التأمين والتمويل. وتواجه الأطر التجارية التي تفشل في مراعاة هذه الديناميكيات خطر تراجع فعاليتها وكفاءتها بمرور الوقت».

الاستدامة استراتيجية اقتصادية

ويشير مقال معاليه إلى أنّه «في دولة الإمارات، يتم التعامل مع الاستدامة باعتبارها مُمكِّناً طويل الأجل للأداء الاقتصادي. ويُنظر إلى تسهيل التجارة في السلع والخدمات البيئية، ودعم الاستثمار في التقنيات النظيفة، وتعزيز مرونة أنظمة الغذاء والطاقة، كركائز أساسية لأجندتنا التجارية الاستشرافية للمستقبل. وترتبط هذه الجهود ارتباطاً وثيقاً بأهداف التنويع الأوسع نطاقاً، ما يضمن بقاء النمو قوياً ومتيناً، مع تطور الهياكل الاقتصادية العالمية. وتجسد استثمارات الإمارات في الطاقة المتجددة، واللوجستيات الذكية، والبنية التحتية المرنة لسلاسل التوريد، هذا الالتزام ببناء أنظمة يمكنها الصمود أمام الاضطرابات، مع المضي قدماً في تحقيق أهداف الاستدامة».

ويستدل قائلاً: «ويقدم الأمن الغذائي نموذجاً حياً لهذا التقاطع بين الاستدامة والتجارة، إذ يعتمد الوصول الموثوق إلى الغذاء على الخدمات اللوجستية الفعالة، وتنويع المصادر، والعلاقات التجارية المستقرة. ومن خلال دعم قنوات التجارة المفتوحة والاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، والتخزين، وبنية النقل التحتية، تسعى دولة الإمارات إلى التخفيف من حدة التعرض للصدمات الخارجية، مع المساهمة في بناء أنظمة غذائية إقليمية وعالمية أكثر مرونة. وفي هذا السياق، تصبح السياسة التجارية أداة لإدارة المخاطر والنمو الاقتصادي، على حد سواء».

ويتابع: «وعلى النحو نفسه، فإن التحول نحو عمليات إنتاج ولوجستيات أكثر كفاءة، يعيد صياغة سلاسل القيمة العالمية. وبدلاً من النظر إلى هذا التحول كقيد أو عائق، ركزت الإمارات على مواءمة تسهيل التجارة مع متطلبات الأسواق الناشئة، ودعم سلاسل توريد أكثر نظافة، وتشجيع الابتكار، وضمان بقاء البيئات التنظيمية قابلة للتنبؤ، وجاذبة للاستثمار. ويدرك هذا النهج أن المعايير المرتبطة بالاستدامة باتت تشكل جزءاً رئيساً ومحددّاً لكيفية الوصول إلى الأسواق».

ويحذر بالقول: «ولا يمكن السعي وراء الاستدامة بمعزل عن مجالات أخرى، فهي تعتمد على التعاون العابر للحدود والقطاعات، وعلى أطر تجارية تدعم الابتكار. ومن خلال دمج اعتبارات الاستدامة في السياسات التجارية والاستثمارية بطريقة عمليّة وموجهة نحو السوق، تهدف دولة الإمارات إلى دعم الأنظمة الاقتصادية التي لا تقتصر على كونها تنافسية اليوم فحسب، بل وتتميز بالمرونة على المدى الطويل».

ويستنتج أن «العمل في قطاعات الطاقة والاستدامة والتجارة قد رسّخ درساً ثابتاً: وهو أن التقدم الاقتصادي المستدام، لا تحركه طموحات السياسات النظرية، بقدر ما تحركه الحلول العملية القابلة للتطبيق، والتوسع، والتكيف عبر مختلف الأسواق. هذا المنظور هو ما يصوغ رؤيتنا لدور الابتكار في التجارة والتنمية، لا سيما في عالم تبرز فيه الحلول بشكل متزايد من سياقات وخلفيات متنوعة».

واستشهد بمثال «جائزة زايد للاستدامة»، التي تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تقاطع الابتكار والتجارة والتنمية بشكل متزايد، فالجائزة، التي تأسست عام 2008، تستقطب المبتكرين من الاقتصادات الناشئة، الذين يواجهون تحديات عملية في مجالات مثل الحصول على الطاقة، وإدارة المياه، والأنظمة الصحية، والأمن الغذائي.

ويفصل مثاله بالقول: «من بين الأمثلة على ذلك، شركة «إس 4 إس تكنولوجيز» الفائزة بالجائزة عام 2022، والتي تساعد حلولها لمعالجة الأغذية بالطاقة الشمسية، المزارعين الصغار في الهند على تقليل الهدر الغذائي، من خلال تحويل المحاصيل سريعة التلف إلى منتجات صالحة للتخزين الطويل، وذات إمكانات تصديرية واعدة. وتعمل ابتكارات من هذا النوع على تقوية الأنظمة الغذائية، وتدعم تنويع الأسواق، وتؤكد كيف يمكن للحلول المطورة محلياً أن تتوسع وتنمو من خلال التجارة والشراكة»، مضيفاً: «إن مثل هذه الحلول، المصممة للبيئات ذات الموارد المحدودة، والقابلة للتكيف عبر مختلف الأسواق، تتماشى تماماً مع أهداف السياسة التجارية الحديثة، ما يمكّن الأفكار والتقنيات من الانتقال بكفاءة عبر الحدود».

ويعلل قائلاً: «وتكتسب هذه الأشكال من الشراكة أهميتها، نظراً لأن الابتكار بات يتدفق بشكل متزايد في اتجاهات متعددة، كما أن التنمية المستدامة تتشكل بشكل تعاوني وتشاركي عبر الأقاليم والمناطق. ومن خلال الانخراط مع المبتكرين والشركاء على هذا النحو، تسهم دولة الإمارات في خلق بيئة تسمح للأفكار بالنمو والتوسع، وللأسواق بالترابط، وللتعاون بالترجمة إلى مرونة اقتصادية دائمة».

الشراكة كمعيار جديد للنفوذ

ويقرّ معاليه بأنّ «نجاح الإمارات التجاري والاستثماري في السنوات الأخيرة، أكد على قيمة الثقة، والاستمرارية، والتعاون العملي. فالشراكات توفر وسائل عمليّة لإدارة المخاطر، والتكيف مع المتغيرات، وتوسيع الفرص عبر الحدود. ولم يعد النفوذ اليوم يُعرَّف بالقدرة على توجيه النتائج، بل بالقدرة على الجمع، والتسهيل، ودعم التقدم الجماعي المشترك، وهو نهج تزداد أهميته وضرورته في عالم يتسم بالاعتماد المتبادل عالمياً. وعندما تواجه التجارة العالمية رياحاً معاكسة، تتجلى قوة الشراكات من خلال استمرار التعاون والالتزام».

واختتم المقال قائلاً: «وتطلعاً إلى المستقبل، ستواصل دولة الإمارات توسيع شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة الخاصة بها، وتحفيز شراكات «الجنوب-الجنوب»، عبر مجالات التجارة والاستثمار والاستدامة، ومن خلال تقديم الشراكة والتعاون على حساب مجرد حجز مكانة، نهدف إلى أن نكون منصة موثوقة، يتطور فيها التعاون ليصبح ازدهاراً مرناً ومستداماً — محولين الترابط العالمي إلى تقدم مشترك، تستفيد منه الأجيال القادمة».

اقتصاد عالمي أكثر توزيعاً ومرونة

تناول معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي وزير التجارة الخارجية في مقاله، ما أسماه بـ «تشكل النشاط الاقتصادي العالمي طوال جزء كبير من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال عدد صغير نسبياً من الاقتصادات الصناعية العريقة»، حيث وضعت هذه الأسواق قواعد التجارة، ووجهت تدفقات رأس المال، وثبّتت سلاسل القيمة العالمية، ورغم أن هذا الإطار دعم عقوداً من النمو والتكامل، إلا أنه بُني في عالم كان يضم عدداً أقل من المشاركين، ونشراً أبطأ للتكنولوجيا، وأنماط مخاطر أكثر قابلية للتنبؤ.

وأوضح قائلاً: «أما اليوم، فقد أصبح النمو والابتكار موزعين على نطاق أوسع بكثير، حيث تسهم الآن مجموعة أوسع من الاقتصادات في الطلب والإنتاج العالمي وريادة الأعمال — مدعومة بالنمو الديموغرافي، والتوسع الحضري، واعتماد التكنولوجيا، كما ساهم الترابط الرقمي في خفض الحواجز أمام المشاركة في التجارة العالمية، ما أتاح للاقتصادات الصغيرة والمتوسطة الحجم، الاندماج بشكل مباشر أكثر في الأسواق الدولية».

وأضاف: «عززت الاضطرابات العالمية الأخيرة أهمية مرونة سلاسل التوريد، وسلطت الأحداث المرتبطة بالمناخ، والأزمات الصحية العامة، والصراعات المستمرة، الضوء على هشاشة الأنظمة شديدة التركيز، ويأتي التصعيد الحالي في المنطقة، ليوجه دلالة عاجلة، تؤكد صحة هذا الدرس، فالشركاء الذين يمتلكون خيارات مصادر متعددة، وقدرات توجيه مرنة، يظهرون مرونة أكبر، ويتحملون الاضطرابات بشكل أفضل»، مؤكداً أن «تنويع سلاسل التوريد والعلاقات الدولية، أصبح أولوية استراتيجية لكل من الحكومات وقطاع الأعمال، على حد سواء».

وبحسب معاليه: «أدى هذا إلى تركيز أكبر على الترابط الإقليمي والشراكة الموثوقة عبر أسواق متعددة، ولا ينبغي فَهْم هذا على أنه تراجع عن العولمة، بل هو تطور لها إلى نسخة أكثر دقة وتطوراً»، قائلاً: «إن ظهور مراكز صناعية جديدة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، قد وسّع المشهد الاقتصادي العالمي، ما خلق مسارات إضافية للتعاون وخلق القيمة المشتركة. وفي هذه البيئة، تكتسب القدرة على التكيف والانفتاح، أهمية لا تقل عن أهمية الحجم والنطاق».

وبالنسبة للدول التي تقود هذا التحول، لا يكمن التحدي في التنافس على الهيمنة، بل في ترسيخ مكانتها كأطراف فاعلة وموثوقة في نظام عالمي متنوع، بحسب الزيودي، إذ يتطلب هذا الاستثمار في الترابط والالتزام بالعمل البنّاء مع شركاء في مراحل مختلفة من النضج الاقتصادي، ويركز نهج دولة الإمارات على التجارة المفتوحة، والبيئات التنظيمية القابلة للتنبؤ، والشراكات، كركائز أساسية للالتزام الاقتصادي طويل الأجل.