الأسواق العالمية تترنح تحت وطأة مخاوف فقاعة الذكاء الاصطناعي

أنهت الأسواق العالمية، وعلى رأسها المؤشرات الأمريكية، الأسبوع الثالث من نوفمبر، على وقع تراجعات جماعية، مع بروز حالة من الحذر وسط المستثمرين. جاءت هذه الانخفاضات، في ظل تجدد المخاوف من تقييمات مرتفعة بشكل مبالغ فيه لأسهم شركات التكنولوجيا، لا سيما تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع ترقب الأسواق لاجتماع الاحتياطي الفيدرالي في ديسمبر، وما قد يصاحبه من قرارات بشأن خفض أسعار الفائدة.

وقد انعكست هذه العوامل في «وول ستريت» على أداء مؤشرات «داو جونز» و«ستاندرد آند بورز» و«ناسداك»، لتسجل خسائر أسبوعية ملموسة، في حين استمر المستثمرون في البحث عن مراكز أكثر أماناً، وسط غموض مستقبلي يكتنف الأسواق، حتى بعد نتائج «إنفيديا» القوية. في الوقت نفسه، لم تقتصر التراجعات على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، حيث سجلت مؤشرات «ستوكس 600»، وأهم البورصات الأوروبية، انخفاضات ملحوظة، كما فقد مؤشر «نيكاي» الياباني المكاسب التي حققها مؤخراً بعد الانتخابات. وأضافت مخاوف التقييمات المرتفعة وتقلبات قطاع الذكاء الاصطناعي حالة من عدم اليقين، وسط ترقب مستمر لأي إشارات جديدة من البنوك المركزية حول السياسة النقدية، إلى جانب تأثير التطورات الجيوسياسية، بما فيها مسار الحرب في أوكرانيا، على التوقعات الاقتصادية العالمية.

تقلبات «وول ستريت»

في «وول ستريت»، أنهت المؤشرات الأمريكية تعاملات الأسبوع الثالث من شهر نوفمبر على تراجعات جماعية، وسط موجة ضغوط بيعية، أعادت إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بارتفاع تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع حالة ترقّب شديدة لاجتماع الاحتياطي الفيدرالي في ديسمبر، وما يرافقه من غموض غير مسبوق حول مسار خفض أسعار الفائدة.

وسجل مؤشر «داو جونز» الصناعي تراجعاً أسبوعياً، من 47147.48 نقطة في ختام الأسبوع السابق، إلى 46245.41 نقطة بنهاية الأسبوع الحالي، ليخسر نحو 1.91 % من قيمته. كما انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» من 6734.11 نقطة إلى 6602.99 نقطة، مسجلاً تراجعاً أسبوعياً بنسبة 1.95 %. ويعكس هذا التراجع تزايد حذر المستثمرين تجاه أسهم الشركات الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بسلاسل التوريد والتكنولوجيا، في ظل موجة تقييمات يعتبرها العديد من مديري الصناديق مرتفعة أكثر مما ينبغي.

كما يعكس هذا التراجع استمرار انحسار شهية المخاطرة، مع تمسك المستثمرين بمراكز دفاعية قبل اجتماع الفيدرالي المقبل، الذي لا تزال مؤشراته متباينة ومرتبكة بشأن توقيت ووتيرة خفض الفائدة. وتتحرك الأسواق حالياً على وقع الإشارات الضبابية من مسؤولي الفيدرالي، حيث تتباين التصريحات بين الدعوة للتريث والقلق من تباطؤ النمو. وكان التراجع الأكبر من نصيب مؤشر «ناسداك»، والذي هبط من 22900.589 نقطة، إلى 22273.083 نقطة، مسجلاً انخفاضاً أسبوعياً قاسياً، بلغ 2.74 %. وفي تطور يزيد المشهد تعقيداً، أعلن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلغاء إصدار بيانات التضخم لشهر أكتوبر، بسبب الإغلاق الحكومي الأخير، ما يعني أن الفيدرالي سيتخذ قرار الفائدة في ديسمبر، دون الحصول على البيانات الرئيسة لقياس التضخم، خاصة أنه تم الإعلان عن أن بيانات نوفمبر، سيتم إصدارها في وقت لاحق، بعد اجتماع الفيدرالي. ورغم نتائج «إنفيديا» القوية، إلا أن حذر المستثمرين بشأن «فقاعة التكنولوجيا»، وحالة عدم اليقين، لا تزال تلقي بظلالها، في خط متوازٍ مع حالة عدم اليقين بشأن قرار الفائدة المرتقب من الفيدرالي. وسجلت أسهم «إنفيديا» تراجعاً أسبوعياً بنحو 6 %، كما انخفضت أسهم أمازون بنفس النسبة تقريباً. وكانت التراجعات أكثر حدة بالنسبة لأسهم «أوراكل»، التي هبطت بأكثر من 10 % خلال الأسبوع.

ما الذي تعكسه نتائج إنفيديا؟

ويقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة «FXPro»، ميشال صليبي، إن نتائج شركة «إنفيديا»، جاءت أفضل بكثير من توقعات السوق، سواء من حيث الأرباح أو التوجيهات المستقبلية، ما يمنح – وفق قوله– دفعة نفسية قوية للسوق، خصوصاً لأسهم الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن النمو الكبير للسهم خلال العامين الماضيين، يدفع العديد من المستثمرين للتفكير بجني الأرباح بعد أي قفزة جديدة، أو التحوّط خشية تراجعات محتملة. ويضيف أنه في بداية الأسبوع الجديد، من المرجّح أن نشهد ارتفاعات، بدعم زخم نتائج «إنفيديا»، على أن نشهد لاحقاً بعض الاستقرار أو التصحيحات، خصوصاً في أسهم النمو. أما الأسهم خارج قطاع التكنولوجيا، فقد تستفيد نسبياً، رغم التراجعات الأخيرة.

قطاع الذكاء الاصطناعي

في سياق متصل، يقول استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في G&K، عاصم جلال، إن قطاع الذكاء الاصطناعي يشهد في الوقت الراهن حالة من الاستقطاب الحاد، خاصة في ما يتعلق بأبعاده الاقتصادية.

ويوضح أن حجم الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والتطوير والتشغيل، لا يزال يتجاوز الأرباح الفعلية التي تحققها الشركات العاملة في المجال، لافتاً إلى أن الإقبال المتزايد من المؤسسات على تجربة تقنيات الذكاء الاصطناعي -حتى وإن ظل في نطاق التجارب الداخلية، بعيداً عن الإنتاج الفعلي- يعزز الآمال بإمكانات ربحية مستقبلية كبيرة. ويضيف أن التطور الأخير الذي قدمته غوغل من خلال منصة Gemini 3 خلال الأيام الماضية، يمثل طفرة قد تعيد ترتيب المشهد التنافسي، إذ يرى أنها حلت في مقدم السباق أمام OpenAI، فضلاً عن اعتمادها على رقائقها الخاصة، بدلاً من «إنفيديا»، ما قد يدفع نحو إعادة تشكيل سلاسل القيمة في السوق. ويتابع: رغم هذه التطورات، إلا أن المنظور ما زال ضبابياً على المدى القصير، مشحوناً بالتقلبات والتفاعلات، في انتظار وضوح جدوى النماذج الاقتصادية، واستقرار العوائد.

خسائر أوروبية

وسجلت المؤشرات الأوروبية الرئيسة خسائر أسبوعية، متأثرة بتجدد المخاوف بين المستثمرين، وتراجع ثقتهم في الآفاق الاقتصادية، وسط تجدد المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي، وهو القطاع الذي كان محركاً رئيساً للمكاسب في الأشهر الماضية.

ولامس المؤشر الأوروبي الموحد «ستوكس 600»، الذي يعد مقياساً لأداء الأسواق في القارة، خلال الأسبوع، أدنى مستوياته منذ أواخر سبتمبر الماضي، مسجلاً أكبر انخفاض أسبوعي له منذ نهاية يوليو، لينهي التعاملات عند 562.10 نقطة، منخفضاً من مستوى الإغلاق السابق عند 574.81 نقطة، محققاً خسارة بلغت نسبتها 2.21 %. ولم يسلم أكبر اقتصاد أوروبي من وتيرة التراجعات، إذ هبط مؤشر «داكس» الألماني بنسبة بلغت 3.29 %، من مستوى إغلاقه السابق عند 23876.55 نقطة، ليستقر عند 23091.87 نقطة، عند نهاية التداولات الأسبوعية.

وتبعت الأسهم الفرنسية نظيرتها الألمانية في مسار الهبوط، لينهي مؤشر «كاك» التداولات عند 7982.65 نقطة، بعد أن كان قد أغلق في الأسبوع السابق عند 8170.09 نقطة، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 2.29 %. كما انخفض مؤشر «فوتسي» البريطاني بنسبة 1.64 %، متراجعاً من مستوى 9698.37 نقطة في الإغلاق السابق، ليصل إلى 9539.71 نقطة في نهاية الأسبوع. ويعكس الأداء الهش للأسواق الأوروبية، حالة من التردد والحذر بين المستثمرين، الذين يترقبون بإمعان أي إشارات جديدة من البنوك المركزية العالمية بشأن مسار السياسة النقدية ومعدلات الفائدة، بالإضافة إلى تطورات البيانات الاقتصادية، التي قد تحدد اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة، فضلاً عن ترقب مسار الحرب في أوكرانيا، وسط خطة سلام أمريكية جديدة، رحبت بها روسيا مبدئياً.

أسهم اليابان تبدد مكاسبها

وسجل مؤشر «نيكاي» الياباني خسارة أسبوعية حادة، ليفقد مستويات الـ 50 ألف نقطة القياسية التي وصل إليها أخيراً. وتراجع المؤشر من مستوى 50376.53 المسجل بنهاية تعاملات الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر، إلى مستوى 48625.88 هذا الأسبوع، بانخفاض نسبته نحو 3.5 %، مبدداً المكاسب التي سجلها بعد الانتخابات الأخيرة. جاءت تلك التراجعات، وسط المخاوف المرتبطة بحزمة التحفيز الحكومية الأخيرة، والتي يعتقد مستثمرون بأن خطط الإنفاق المتعلقة بها «قد تشكل تهديداً لسلامة المالية العامة في طوكيو».

تراجع النفط

وتحت وطأة توقعات زيادة المعروض، في الوقت الذي تدفع فيه الولايات المتحدة الأمريكية بخطة سلام في أوكرانيا، سجلت أسعار النفط خسائر أسبوعية، لتتراجع إلى أدنى مستوى في شهر. وهبطت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.8 % تقريباً - وفق حسابات «البيان» - لتصل إلى 62.56 دولاراً للبرميل، مقارنة مع 64.39 دولاراً للبرميل، بنهاية تعاملات الأسبوع الماضي. كما تراجعت العقود الآجلة للخام الأمريكي إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل، وتحديداً إلى 58.06 دولاراً للبرميل، مقارنة مع 60.09 دولاراً الأسبوع الماضي، بنسبة انخفاض 3.38 %. بينما سجل الذهب أداءً مستقراً نسبياً خلال الأسبوع، مسجلاً 4079 دولاراً للأونصة، في ظل تعويل المستثمرين على خفض أسعار الفائدة في ديسمبر، عقب سلسلة من التصريحات الحذرة من جانب مسؤولي الفيدرالي الأمريكي.