تتجه أنظار الأسواق المالية وعمالقة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بحذر نحو الخطوات المرتقبة لشركة «أنثروبيك»، وسط تقارير تفيد بأن الشركة تخطط لطرح عام أولي ضخم خلال شهر نوفمبر الجاري، بقيمة سوقية مذهلة تتراوح بين 1.5 تريليون وتريليوني دولار، وهو تقييم إن تحقق فسوف يتجاوز الأرقام القياسية التاريخية المسجلة لشركة «سبيس إكس». هذا الاكتتاب الملياري الضخم يهدد أو يَعِد، بحسب الزاوية التي يُنظر منها، بتحويل طاقم العمل بالكامل، المكون من أكثر من 2500 موظف، إلى أثرياء جدد في قطاع التكنولوجيا، إلا أن هذا الثراء الفلكي المحتمل يثير في المقابل قلقاً عميقاً لدى قيادة الشركة، وعلى رأسهم الرئيس التنفيذي داريو أمودي، الذي تقدر ثروته الشخصية بنحو 15.5 مليار دولار، حيث أبدى مخاوف جادة من طغيان الدوافع المادية السريعة واللهاث خلف الثروة على حساب المهمة الأساسية للشركة والمتمثلة في تطوير الذكاء الاصطناعي الآمن.
وفي ترجمة عملية لهذا القلق المؤسسي، كشفت تقارير منصة «أكسيوس» ونقاشات منصة «بلايند» العمالية أن لجان التوظيف في أنثروبيك أضحت تدرج أسئلة غير تقليدية بل وصدامية في مقابلات تقييم الثقافة المؤسسية للمتقدمين الجدد؛ إذ تضع المرشحين أمام اختبار نفسي ومهني حاد عبر سؤالهم عن ردة فعلهم وما سيُقْدمون عليه في حال اتخذت الشركة يوماً ما قراراً استراتيجياً بالتخلي الكامل عن طموحاتها التجارية في مجال الذكاء الاصطناعي استناداً إلى اعتبارات السلامة والأمن البشري، وهو قرار دراماتيكي قد يؤدي بطبيعة الحال إلى انهيار قيمة أسهم الشركة وانخفاضها إلى الصفر.
وقد أثار هذا السؤال المباغت ردود فعل متباينة بين المتقدمين، حيث صرح أحدهم بصراحة تامة بأنه سيرفض مثل هذا السيناريو لتعارضه مع تطلعاته المالية، ما يعكس الهوة القائمة بين البعد الأيديولوجي للسلامة الذي يتبناه المؤسسون والواقع النفعي للموظفين والباحثين الساعين لجني ثمار طفرة التكنولوجيا.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتحليلي، يرى خبراء الاقتصاد والمال أن هذه المعضلة تسلط الضوء على صراع معقد يواجه قطاع أسهم التكنولوجيا العالمي في الأسواق المالية الدولية. فمن جهة، تعيش أسواق الأسهم طفرة غير مسبوقة مدفوعة بالهوس الاستثماري بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث تقيّم وول ستريت الشركات الناشئة بمئات ومليارات الدولارات بناءً على آفاق النمو المستقبلي والربحية العالية، وهو ما يجعل تقييمات شركات مثل أنثروبيك تتجاوز ناتج محال تجارية واقتصاديات دول بأكملها.
ومن جهة أخرى، يحذر المحللون الماليون من أن ربط مصير شركات رائدة في حظيرة أمن البشرية بمقاييس الربح السريع والاكتتابات المليارية يولد فقاعة هيكلية قد تزعزع ثقة المستثمرين.
ويشير الخبراء إلى أن تلويح شركة مثل أنثروبيك بإمكانية تصفية قيمة الأسهم نزولاً لمبادئ الأمان لا يمثل فقط اختباراً لثقافة الموظفين، بل هو رسالة مبطنة للأسواق المالية بأن المخاطر الوجودية والتقنية في قطاع الذكاء الاصطناعي تظل متقدمة على الاعتبارات الرأسمالية البحتة، ما يضع المستثمرين أمام معادلة حرجة تجمع بين تحقيق عوائد خيالية ومواجهة احتمالية الانهيار التنظيمي أو الأخلاقي في أي لحظة.



