تخوض أسواق السندات العالمية واحدة من أعنف موجات الاضطراب وأشدها تعقيداً منذ قرابة عقدين، حيث تسجل عوائد الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى مستويات قياسية تاريخية تقودها القفزات الحادة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية. تأتي هذه الهزات في وقت يتصاعد فيه التوتر بين البيت الأبيض ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذ يواصل الرئيس دونالد ترامب ضغوطه المكثفة لمطالبة البنك المركزي الأمريكي بتخفيض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي وتخفيف عبء الاستدانة.
وتصطدم هذه المطالبات السياسية بواقع اقتصادي مرير تفرضه سوق السندات، فارتفاع عوائد السندات طويل الأجل، والمغذّى بمخاوف التضخم الناجمة عن قفزات أسعار النفط فوق 92 دولاراً للبرميل جراء التصعيد الجيوسياسي مع إيران، إلى جانب اتساع عجز الموازنة الأمريكية وتجاوز الدين العام حاجز 40 تريليون دولار، يجبر الفيدرالي والأسواق على السير في الاتجاه المعاكس تماماً، حيث تزداد احتمالات الامتناع عن خفض الفائدة أو حتى رفعها لكبح الضغوط التضخمية وتلبية مطالب المستثمرين الذين يطالبون بعلاوة مخاطر أعلى.
ولمواجهة هذا التمرد في سوق الديون وتخفيف الضغط على العوائد الطويلة، لجأت وزارة الخزانة الأمريكية بالتنسيق مع تحركات الفيدرالي الميدانية إلى تطبيق مناورة مالية تُعرف بـ«عملية تويست مصغرة»، تتضمن توسيع نطاق إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل (من 10 إلى 30 عاماً) بمبالغ تتجاوز 4 مليارات دولار للعملية الواحدة، وتمويل ذلك عبر إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل.
وتستهدف هذه العملية امتصاص المعروض الضخم من السندات طويلة الأجل، وزيادة أسعارها آلياً لتخفيض عوائدها والسيطرة على المنحنى، غير أن خبراء استثمار الدخل الثابت في مؤسسات كبرى مثل «تي. رو برايس» و«بي سي إيه ريسيرش» يرون أن هذه الخطوة لا تتعدى كونها مسكناً مؤقتاً لسيولة السوق؛ كونها تُعيد ترتيب هيكل الدين بدلاً من خفضه، ولا تعالج أصل المشكلة المتمثل في العجز المالي المستمر وغياب خطة موثوقة للسيطرة على الدين الفيدرالي.
ويكشف تحليل الواقع المعقد أن ضغوط ترامب تضع الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه أمام معضلة شائكة ومواجهة مباشرة مع مجريات السوق، فاستجابة المركزي لمطالب خفض الفائدة قد تفسرها الأسواق كاستسلام سياسي يُضعف استقلاليته، ما يذكي توقعات التضخم مستقبلاً ويدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى على السندات طويلة الأجل، وهو ما يفاقم أزمة سوق الدين بدلاً من حلها.
وفي المقابل، فإن تمسك الفيدرالي بالإبقاء على الفائدة مرتفعة أو رفعها يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات ويصطدم مباشرة برغبات البيت الأبيض.
امتدت شرارة هذه الأزمة من واشنطن لتضرب أسواق السندات العالمية عبر قنوات الصرف والتدفقات النقدية، معيدة تشكيل خريطة الاقتراض في الاقتصادات الكبرى. وفي مقدمة هذه الدول تأتي اليابان، التي شهدت تحولاً تاريخياً بملامسة عائد سنداتها الحكومية لأجل 10 سنوات مستوى 3% للمرة الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد سنوات طويلة من سياسة الفائدة الصفرية والسالبة.
هذا الصعود الحاد في العوائد اليابانية أحدث نقطة تحول جوهرية في حركة رؤوس الأموال العالمية؛ إذ إن ارتفاع الفائدة المحلية في طوكيو، إلى جانب تراجع الين إلى مستويات قياسية متجاوزاً 160 يناً للدولار، شجع المؤسسات والمستثمرين اليابانيين ذوي الحيازات الهائلة من الأصول الخارجية على إعادة توجيه أموالهم لنشاط الاقتراض والدخل الثابت المحلي بدلاً من الاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية.
وقد تسبب هذا التحول في حرمان سوق السندات الأمريكية من أكبر كفيل ودائن أجنبي تقليدي، ما زاد من مكشوفيتها ودفع العوائد الأمريكية لنطاقات أعلى لتعويض غياب الطلب الياباني.
ولم تكن أوروبا بمعزل عن هذه الهزة العالمية، حيث صعدت عوائد السندات الحكومية في بريطانيا (السندات الملكية) متجاوزة 5.2% تحت ضغط ارتفاع تكاليف الاستدانة وتأثير الضغوط التضخمية المستوردة.
وفي ألمانيا، الاقتصاد الأكبر في منطقة اليورو، قفز عائد السندات لأجل 10 سنوات قرب 3.3% مسجلاً أعلى قمة له منذ عام 2011، متأثراً بزيادة التضخم الأوروبي الذي تجاوز 3% نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، ما أجبر البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا على مجاراة مناخ التشديد النقدي لحماية العملات المحلية من التراجع أمام الدولار القوي وتجنب هروب رؤوس الأموال نحو الأصول المقومة بالعملة الأمريكية.
حظيت هذه التطورات باهتمام واسع وتحليلات مكثفة في وسائل الإعلام والصحافة الاقتصادية العالمية؛ حيث ركزت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية على الحدود الضيقة لمناورات الخزانة والفيدرالي، مشيرة إلى أن «عملية تويست» نجحت فقط في تهدئة العوائد بشكل مؤقت، لكن العجز الفيدرالي الضخم المتجاوز تريليوني دولار، والمنافسة الشديدة من شركات التكنولوجيا الكبرى التي تقترض بكثافة لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، يضعان قيوداً حقيقية أمام كبح العوائد دون انضباط مالي حقيقي.
ومن جانبها، أوضحت شبكة «سي إن بي سي» أن لجوء الإدارة الأمريكية لتقصير آجال الدين يمثل محاولة لامتصاص الصدمات أثناء قمة مجموعة العشرين في آشفيل لضمان عدم لجوء الشركاء الدوليين لمبيعات عشوائية مكثفة.
وفي القارة الأوروبية، أبرزت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية ونشرات «دويتشه بنك» تحذيرات صريحة مما وصفته بـ«الكبح المالي الناعم»، مؤكدة أن أدوات وزارة الخزانة الأمريكية تعالج أعراض الأزمة وليس جذورها المتمثلة في تضخم الدين الوطني ومخاطر اضطراب خطوط الملاحة وإمدادات النفط عبر مضيق هرمز.
وفي المقابل، تناولت صحيفة «نيكاي» اليابانية المفاوضات الجارية بين طوكيو وواشنطن لدعم الين، مشيرة إلى أن السلطات النقدية اليابانية ترحب بالتنسيق الذي يحمي عملتها من التدهور دون الاضطرار لتسييل حيازاتها من السندات الأمريكية طويلة الأجل، مشددة في الوقت ذاته على أن ارتفاع الفائدة اليابانية إلى 3% يمثل بداية مرحلة جديدة يعيد فيها المستثمر الياباني ترتيب أولوياته الاستثمارية داخل حدوده الوطنية، ما يضمن استمرار الضغوط على مستقبل السندات العالمية خلال المرحلة المقبلة.
