تشهد أسواق المال في الإمارات خلال الوقت الراهن اهتماماً متزايداً من المستثمرين بأسهم الشركات التي تقدم توزيعات أرباح مرتفعة، مقارنة بأسعار أسهمها في السوق، وسط تقلبات الأسواق العالمية.
وأكد خبراء ماليون أن أسواق المال المحلية مدعومة بأساسيات قوية وسياسات حكومية سريعة الاستجابة، وتوزيعات أرباح مرتفعة، ما يعزز قدرتها على الصمود حتى في أوقات الأزمات، مشيرين إلى أن الأسواق تواصل جذب المستثمرين الباحثين عن المرونة والاستقرار النسبي، في ظل تقلبات إقليمية وعالمية.
ويعد عائد التوزيعات النقدية أحد أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها المستثمرون لتقييم جاذبية الأسهم، إذ يقيس نسبة الأرباح النقدية الموزعة إلى سعر السهم في السوق. وكلما ارتفعت هذه النسبة، زادت جاذبية السهم للمستثمرين الباحثين عن دخل دوري.
عوائد قوية
وخلال السنوات الأخيرة، برزت عدة شركات مدرجة في سوقي دبي وأبوظبي الماليين بعوائد توزيعات مرتفعة نسبياً، خاصة في قطاعات البنوك والطاقة والعقار. وتشير بيانات السوق إلى أن بعض الشركات تقدم عوائد تتراوح بين 5% و8% سنوياً، وهي مستويات تعتبر جذابة مقارنة بالعديد من الأسواق العالمية.
ومن بين الشركات التي سجلت عوائد توزيعات مرتفعة شركة «إعمار، والتي يصل عائد توزيعاتها إلى نحو 7.5%، مدعوماً بارتفاع المبيعات العقارية ونمو الطلب على المشاريع في دبي.
كما تقدم بنوك مثل «الإمارات دبي الوطني» و«دبي الإسلامي» توزيعات منتظمة تعكس قوة أرباح القطاع المصرفي في الدولة.
ويرى محللون أن الأسهم ذات التوزيعات المرتفعة تجذب عادة المستثمرين طويلَي الأجل وصناديق الاستثمار التي تسعى لتحقيق دخل ثابت، خاصة في بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين.
وذكر الخبراء أن البنوك والطاقة والمرافق العامة، تقود صمود الأسواق المحلية، نظراً لتميز ميزانياتها وقوة شركاتها القيادية، فهذه القطاعات تعتبر الأكثر قدرة على الصمود، بينما يظل القطاع العقاري أكثر حساسية للتقلبات قصيرة الأجل.
وقالوا إن المستثمرين في المنطقة يتحولون حالياً إلى الأسهم الدفاعية، مستفيدين من قوة القطاعات القيادية والمرافق الأساسية، وسط تراجع شهية المخاطرة العالمية، فالتحليلات تشير إلى أن هذا التحول ليس انعكاساً للقلق فقط، بل استراتيجية لحماية رأس المال مع الاستفادة من فرص التعافي المتاحة.
وأضافوا: «على الرغم من الضبابية الجيوسياسية، فإن سوق الإمارات مدعوم بميزانيات شركات قوية، وبنية تحتية مالية متينة، ما يعزز ثقة المستثمرين، ويحد من احتمالية الهبوط الحاد للأسواق. ارتفاع أسعار النفط، والسيولة الحكومية، واستقرار الميزانيات العامة، كلها عوامل إضافية، تجعل القطاعات الدفاعية محركاً رئيساً لتماسك الأسهم».
ولفت الخبراء إلى أن الاقتصاد القوي يمنح أسواق المال المحلية أفضلية نسبية، مقارنة بأسواق المنطقة الأخرى، التركيز ينصب على الشركات ذات الميزانيات المتينة، والتوزيعات المستقرة، فالدولة تمتلك القدرة على تحويل الضغوط الحالية إلى فرص استثمارية طويلة الأجل، مع احتمال حدوث موجة تعافٍ قوية بمجرد استقرار الأوضاع.
الإمارات تقود التعافي
أفاد فيجاي فاليشا الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، بأن الأسهم الدفاعية أصبحت تكتسب جاذبية أكبر لدى المستثمرين، خصوصاً في قطاع تأمين الممتلكات والمسؤوليات وقطاع التأمين متعدد الأنشطة، متوقعاً أن تحقق شركات المرافق أداءً جيداً، مثل هيئة كهرباء ومياه دبي «ديوا»، و«سالك»، نظراً لارتفاع معدلات توزيع الأرباح التي توفرها هذه الشركات.
وذكر أنه في حال استمرار حالة عدم اليقين، قد تتجه التدفقات الاستثمارية بشكل أكبر نحو القطاعات الدفاعية، مثل المرافق والبنية التحتية، نظراً لما توفره من تدفقات نقدية مستقرة، وربحية متوقعة حتى في فترات التقلبات، مؤكداً أن الأعمدة الأساسية لسوق الأسهم الإماراتي تظل مستمرة في قطاعات البنوك والعقارات والطاقة.
وتوقع «فاليشا» أن تلعب دولة الإمارات دوراً محورياً في موجة التعافي المقبلة لأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، وإن كان التعافي هذه المرة سينطلق من مستويات تقييم جديدة، حيث تشكل الثقة الاستثمارية العامل الأكثر حسماً، مقارنة بالأساسيات الاقتصادية.
وقال فيجاي فاليشا: «إن القطاع المصرفي الإماراتي دخل عام 2026 من موقع قوة ملحوظة، وعادة ما يؤدي ارتفاع عائدات النفط إلى تعزيز السيولة والنمو الائتماني والاستثمارات المؤسسية في المنطقة، وهو ما يصب في مصلحة القطاع المصرفي، كما تظل البنوك الإماراتية من الأكثر سيولة في المنطقة، حيث تجاوز نمو الودائع نمو القروض خلال العام الماضي».
وأضاف: «إنه في حال تراجع التوترات الجيوسياسية، فمن المرجح أن تكون الأسهم المصرفية من أوائل القطاعات التي تستعيد زخمها، مع عودة المستثمرين للتركيز على قوة الأرباح واستقرار توزيعات الأرباح».
وتابع: «لا تزال الأساسيات الاقتصادية للقطاع العقاري قوية، إذ أمضت الشركات العقارية الكبرى السنوات الماضية في تعزيز ميزانياتها العمومية، وخفض مستويات المديونية، ما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة فترات التقلب، وبالتالي، يمكن القول إن القطاع أعاد تسعير نفسه، ومن المرجح أن يكون التعافي تدريجياً وانتقائياً، مع بقاء محركات الطلب طويلة الأجل».
وحول مساهمة السياسات الحكومية والاستثمارات الكبرى في الإمارات في تعزيز ثقة المستثمرين، ودعم نمو أسواق الأسهم، قال فيجاي فاليشا: «شهدت دولة الإمارات خلال السنوات الماضية، العديد من السياسات والاستثمارات التي أسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين، من أبرزها الإصلاحات التنظيمية في أسواق رأس المال، ففي مطلع هذا العام، أصدرت الحكومة مرسومين اتحاديين لتنظيم أسواق رأس المال وهيئة الأوراق المالية، بهدف تعزيز الشفافية والرقابة التنظيمية وحماية المستثمرين، بما يتماشى مع المعايير الدولية لمؤسسات مثل المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية، فضلاً عن تطوير البنية التحتية المالية والتكامل الدولي، وتواصل الإمارات الاستثمار في تعزيز الربط المالي العالمي والبنية التحتية للأسواق المالية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الشراكة التي أُعلنت في أواخر 2025، بين بورصة هونغ كونغ وسوق أبوظبي للأوراق المالية، لتعزيز تكامل أسواق رأس المال، إلى جانب دور الصناديق السيادية، حيث تلعب الصناديق السيادية الإماراتية، مثل مبادلة وجهاز أبوظبي للاستثمار، دوراً محورياً في تعزيز السيولة، ورفع القيمة السوقية، ودعم ثقة المستثمرين، كما ساهمت سياسة طرح الشركات الحكومية للاكتتاب العام في تعميق أسواق المال المحلية، ومن الأمثلة البارزة على ذلك، إدراج شركات مثل سالك وباركن، التي تُعد شركات استراتيجية تجذب اهتمام الصناديق الاستثمارية العالمية، وسياسات الدعم الاقتصادي، التي أثبتت الحكومة قدرتها على دعم الاقتصاد في أوقات الأزمات، فعلى سبيل المثال، أطلق المصرف المركزي خلال جائحة «كورونا» برنامج الدعم الاقتصادي الموجّه بقيمة 100 مليار درهم، ما ساعد الشركات على الحفاظ على السيولة، وتسريع التعافي الاقتصادي».
وعن أبرز التحديات خلال الفترة المقبلة، قال «فاليشا»: «يظل الخطر الأبرز، يتمثل في احتمال استمرار أو اتساع التطورات الجيوسياسية، ومع ذلك، لا تشير هذه المخاطر إلى أزمة اقتصادية هيكلية، إذ لا تزال البنوك تتمتع برسملة قوية، بينما يُتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي نحو 5.3 %، مع بقاء معدلات التضخم منخفضة».
ونصح فيجاي فاليشا المستثمرين في هذه المرحلة، بالتركيز على الشركات ذات الأساسيات القوية، والتقلبات المنخفضة والسمات الدفاعية، بدلاً من التسرع في شراء الأسهم عند أي تراجع سعري. وذكر أن الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات سجل نمواً بنسبة 5.1 % على أساس سنوي، خلال الربع الثالث من عام 2025، ليصل إلى 1.4 تريليون درهم، في مؤشر يعكس استمرار الزخم في أداء الاقتصاد الوطني، ووفقاً لبيانات مركز التنافسية والإحصاء الاتحادي، فإن نحو 70 % من هذا النمو جاء من القطاعات غير النفطية، التي حققت بدورها نمواً بنسبة 6.1 %، لتبلغ قيمتها الإجمالية تريليون درهم.
وأضاف: «على مدى السنوات الماضية، نجحت الدولة في تعزيز تنويع اقتصادها، وتقليص الاعتماد على النفط، عبر دعم قطاعات رئيسة، مثل السياحة والخدمات المالية وتجارة التجزئة، وقد سجّل القطاع المالي نمواً بنسبة 9 %، تلاه قطاع الإنشاءات بنسبة 8.7 %، ثم القطاع العقاري بنسبة 7.9 %، والقطاع الصناعي بنسبة 6.9 %، أما من حيث المساهمة في الاقتصاد، فقد تصدرت تجارة الجملة والتجزئة القائمة بحصة بلغت 12.3 %، تلتها الصناعات التحويلية بنسبة 10.7 %، فيما أسهمت الخدمات المالية بنسبة 10.4 %، وقطاع الإنشاءات بنسبة 9.1 %».
وأكد أنه بالرغم التوترات الجيوسياسية القائمة، لا تزال التوقعات الاقتصادية لدولة الإمارات إيجابية، مدعومة بالأداء القوي والمستمر للقطاعات غير النفطية، حيث تشير التقديرات إلى أن النمو الاقتصادي قد يتسارع إلى 5.2 % في عام 2026، مدفوعاً بتوسع القطاعات غير النفطية بنسبة 4.7 %. وتوقع أيضاً أن يستند النمو المستقبلي إلى اقتصاد قائم على المعرفة، مدعوماً بتشريعات تنافسية وبيئة أعمال متطورة، تتماشى مع رؤية دولة الإمارات الطموحة، التي تستهدف مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي، ليصل إلى 3 تريليونات درهم خلال العقد المقبل.
أساسيات قوية
أكد رائد دياب نائب رئيس إدارة البحوث والاستراتيجيات الاستثمارية في «كامكو إنفست»، أن الأساسيات الاقتصادية في دولة الإمارات موجودة، حيث لديها متانة مالية، وأصول عالمية قوية، وقطاع طاقة قوي، وبنية تحتية متطورة، وموقع استراتيجي مهم، والدعم الحكومي القوي أثناء الأزمات واضح، لكن في المرحلة الحالية قد يكون هناك تفاؤل حذر، والتركيز قد يكون أكثر على شركات الاتصالات والمرافق، وبعض عمليات الشراء الانتقائية على أسهم قيادية، والابتعاد عن التعرض لأخرى.
وقال «دياب»: «خلال الفترة الحالية تكون العوامل الإيجابية محدودة إلى حد ما، ويكون التركيز قائماً على التدخلات الحكومية بشكل أكبر، لكن مع انتهاء الحرب تعود العوامل الأساسية إلى الواجهة مرة أخرى، حيث ستدعم الأسواق المالية الإماراتية نتائج أعمال الشركات المدرجة، وقوة القطاع غير النفطي، والمزيد من الطروحات»، مشيراً إلى أنه سيكون هناك اهتمام على قطاعات، مثل البنوك والطاقة، بينما قد يكون القطاع العقاري أكثر حساسية.
وأضاف: «الحكومة في الماضي وحالياً، أثبتت أنها داعمة للأسواق المالية، وتتحرك بشكل سريع عبر اتخاذ إجراءات حازمة، وضخ سيولة لطمأنة الرأي العام، لكن بالطبع تبقى هناك ضغوط من المستثمرين الأجانب».
وذكر أنه لا بد من تقليص التعرض إلى القطاعات الحساسة والتحول إلى الأسهم الدفاعية، وإلى الأسهم القيادية التي أثبتت مرونتها بالأزمات، بالإضافة إلى تنويع الاستثمارات، والبحث عن فرص في قطاعات أقل تضرراً.
وتابع: «في ظل التحديات التي تواجه المنطقة في الوقت الراهن، مع عدم وضوح الرؤية حول توقيت وقف هذه الحرب ونتائجها، من المتوقع أن تبقى البورصات الخليجية تحت الضغط، وعرضة للمزيد من التقلبات».
الأكثر صموداً
من جهته، أكد المحلل المالي حسام الحسيني، أن الأساسيات الاقتصادية للإمارات ما زالت قوية، لكن السوق يتحرك حالياً تحت هيمنة عاملين أقوى من أي شيء آخر، وهما الجيوسياسة، والسيولة الدفاعية، متوقعاً أن تكون أسواق المال الإماراتية أكثر قدرة على الصمود والتعافي النسبي من أسواق أخرى.
وذكر أن البنوك الكبرى، وبعض أسهم الطاقة والمرافق العامة والاتصالات، هي الأقرب لقيادة الصمود، وربما الارتداد أولاً، وليس العقار بالضرورة في المرحلة الأولى، فالبنوك تستفيد من قوة الاقتصاد المحلي، ومن ميزانياتها المتينة، كما أن القطاع عادة يُنظر إليه كمرآة للقدرة المؤسسية للدولة، أما الطاقة، فارتفاع النفط إلى نحو 119.5 دولاراً للبرميل في ذروته، يدعم المزاج العام تجاه الشركات المرتبطة بالطاقة، وفي الاتصالات، يميل المستثمرون إلى اعتبارها قطاعاً دفاعياً نسبياً في أوقات التوتر، لأنها أقل حساسية من العقار والسياحة لتوقف الحركة الفورية.
وقال «الحسيني»: «بالنسبة للقطاع العقارات، فهو لا يزال مدعوماً على المدى المتوسط بنتائج قوية ومشاريع كبيرة، لكن في المدى القريب، قد يكون أكثر حساسية لتدفقات المستثمرين الأجانب، وللمزاج العام وحركة الأسواق العالمية».
وأضاف: «وقت الأزمات يكون دور السياسات الحكومية أهم من المعتاد، ليس فقط لأنه يدعم النمو، بل لأنه يبعث رسالة بأن الدولة تملك أدوات إدارة الأزمة، فالإمارات تمتلك في هذا الجانب ميزتين واضحتين، أولاً حكمة القادة ووضوح الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل، سواء في دبي عبر D33، أو في أبوظبي عبر الاستراتيجيات الصناعية والمالية، وثانياً سرعة الاستجابة التنظيمية».
وتابع: «الاستثمارات الكبرى والمشاريع الحكومية تعزز الثقة، لأنها تعطي السوق (رواية بقاء)، حتى وإن تعطلت شهية المخاطرة مؤقتاً، بعبارة أخرى، المستثمر قد يؤجل شراء سهم، لكنه لا يتجاهل بسهولة سوقاً مدعوماً بمشاريع طويلة الأجل، وميزانيات سيادية قوية، وشركات كبرى، ما زالت تعلن توزيعات وأرباحاً مرتفعة».
واستطرد: «بالنسبة للمستثمر المحافظ، قد يركز على الأسهم ذات الميزانيات القوية، والتوزيعات الواضحة، والمستثمر متوسط الأجل، قد يتعامل مع التراجعات على أنها فرص تدريجية، ومن الأفضل تنويع الانكشاف بين أسهم البنوك الكبرى والطاقة والمرافق والاتصالات»، مؤكداً أن السوق الإماراتي يملك اقتصاداً قوياً، ودعماً مؤسسياً وتنظيمياً، وشركات قيادية ذات أساسيات متينة. وتوقع «الحسيني» أن تكون أسهم الإمارات من أوائل أسواق المنطقة القادرة على استعادة بريقها، وهذا التفوق النسبي شهدناه من بعد أزمة «كورونا» وحتى الآن.


