هولندا تنقل 86 طناً من نيويورك وأوتاوا إلى لندن
فرنسا تسحب 129 طناً باقي احتياطياتها المخزنة في نيويورك
ألمانيا تستكمل سحب 111 طناً من نيويورك
العقوبات على روسيا كشفت خضوع أصول البنوك المركزية في الخارج لقيود سياسية وقانونية
تشهد خريطة الذهب العالمي تحولات لافتة في طريقة إدارة البنوك المركزية لاحتياطياتها؛ مع اتجاه عدد من الدول إلى إعادة تقييم أماكن تخزين المعدن النفيس، وتوزيع حيازاتها بين خزائنها المحلية والمراكز المالية العالمية القريبة، في خطوة تعكس تنامي أهمية الذهب كأصل استراتيجي في إدارة الاحتياطيات.
ففي خطوة تعكس تحولات عميقة في استراتيجيات إدارات الأصول السيادية العالمية، أعلن البنك المركزي الهولندي عن إتمام نقل 78 طناً مترياً من احتياطياته من الذهب، البالغة قيمتها نحو 11 مليار دولار، من الخزائن الممتدة تحت شوارع حي مانهاتن في نيويورك، إلى العاصمة البريطانية لندن، فيما نقلت فرنسا نحو 129 طناً لتنضم إلى ألمانيا التي نقلت من 111 طناً في نيويورك ليصبح الأجمالي المسحوب من المصارف الأمريكية من قبل 3 دول فقط (318) طناً.
وأوضح التقرير الذي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن العملية السرية استغرقت عدة أشهر، وتمت عبر آليات مدمجة، شملت بيع جزء من السبائك في الولايات المتحدة وإعادة شرائها في المملكة المتحدة، إلى جانب نقل كميات أخرى عبر عنابر الشحن الجوي تحت حراسة أمنية مشددة.
وبينما لا تعني هذه التحركات بالضرورة تحولاً جماعياً بعيداً عن الولايات المتحدة أو تخلياً عن المراكز المالية الكبرى، فإنها تعكس في الوقت نفسه إعادة حساب للمخاطر المرتبطة بمكان الاحتفاظ بالأصول السيادية، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، واستخدام العقوبات المالية وتجميد الأصول كأدوات في إدارة الصراعات الدولية.
يأتي ذلك أيضاً في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل النظام المالي العالمي، ومستوى الثقة بين ضفتي الأطلسي، وقدرة الدول على ضمان الوصول إلى احتياطياتها في أوقات الأزمات، ما يعيد طرح سؤال أوسع: هل تشهد خريطة تخزين الذهب العالمي تحولاً تدريجياً من اعتبارات الكفاءة المالية إلى اعتبارات السيادة وإدارة المخاطر؟
دوافع مختلفة
ويقول طارق الرفاعي، المدير التنفيذي لمركز «كوروم» لـ«البيان»، إن الاتجاه نحو إعادة بعض الدول الأوروبية جزءاً من احتياطياتها الذهبية من الخارج إلى مراكز تخزين أقرب إليها هو اتجاه حقيقي، لكن دوافعه تختلف من دولة إلى أخرى.
وأعلنت هولندا نقل 86 طناً من الذهب من نيويورك وأوتاوا إلى لندن (هذا الرقم يمثل أكثر من ربع السبائك التي يحتفظ بها في الولايات المتحدة وكندا)، في ظل «تزايد الاضطرابات الجيوسياسية»، وذلك بهدف الاستعداد للأزمات وتنويع المخاطر وتسهيل الوصول إلى السبائك القابلة للتداول.
في المقابل، سحبت فرنسا ما تبقى من احتياطياتها الذهبية في نيويورك، والبالغ نحو 129 طناً، خلال الفترة 2025 - 2026.
ويلفت الرفاعي إلى أن بنك فرنسا أوضح أن الخطوة جاءت أساساً لاستبدال سبائك لا تستوفي معايير رابطة سوق السبائك في لندن (LBMA)، وليس لدوافع سياسية.
كما أن ألمانيا سبق أن أعادت نحو 300 طن من الذهب من نيويورك خلال الفترة بين 2013 و2016، لكنها لم تعلن منذ ذلك الحين عن عمليات سحب جديدة.
ويضيف الرفاعي أن القضية الأهم ترتبط بمسألة السيادة على الاحتياطيات؛ إذ أظهرت العقوبات المفروضة على روسيا أن أصول البنوك المركزية المحتفظ بها في الخارج يمكن أن تخضع لقيود سياسية وقانونية، ما يجعل تنويع أماكن تخزين الاحتياطيات خياراً أكثر جاذبية.
ويشير إلى أن ارتفاع مستويات الديون الأمريكية وعدم القدرة على التنبؤ بالسياسات يعززان هذه المخاوف، إلا أن احتمال مصادرة ذهب دولة أوروبية حليفة يظل، في الوقت الراهن، «مخاطرة ذيلية» ذات احتمال ضئيل للغاية، وليس السبب المعلن وراء التحركات الأخيرة.
وكان محافظ البنك المركزي الهولندي، أولاف سلايبن، قد ذكر في بيان (بعد الكشف عن نقل احتياطيات من الذهب بقيمة نحو 12 مليار دولار من نيويورك وأوتاوا إلى لندن) أن تلك الخطوة تمثل تحسيناً لقابلية «تداول احتياطياتنا من الذهب»، مردفاً: «نتوقع ألا نحتاج أبداً إلى استخدامها، لكننا بحاجة إلى تعزيز قدرتنا على الصمود واستعدادنا».
إدارة المخاطر
من جانبه، يقول ميشال صليبي، كبير محللي الأسواق المالية في شركة «FXPro» لـ «البيان»: إن اتجاه بعض البنوك المركزية الأوروبية إلى إعادة جزء من احتياطاتها من الذهب إلى أراضيها يأتي في إطار مزيج من إدارة المخاطر السيادية وتعزيز السيطرة المباشرة على الاحتياطيات، إلى جانب تنويع مواقع تخزين الذهب جغرافياً.
ويوضح صليبي أن السيادة والسيطرة المباشرة تأتيان في مقدمة هذه الأسباب، مشيراً إلى أن وجود الذهب داخل الدولة يتيح الوصول إليه بصورة مباشرة وأسرع في أوقات الأزمات، دون الاعتماد على دولة أو جهة أجنبية.
ويضيف أن المخاطر الجيوسياسية تمثل عاملاً مهماً أيضاً؛ خصوصاً مع تصاعد التوترات الدولية خلال الفترة الأخيرة، واستخدام العقوبات وتقييد الوصول إلى الأصول كأدوات سياسية، وهو ما جعل البنوك المركزية أكثر حساسية تجاه مكان وجود احتياطاتها فعلياً.
ويشير إلى أن تنويع مواقع الاحتفاظ بالذهب يهدف كذلك إلى الحد من مخاطر التركز الجغرافي، موضحاً أن الاحتفاظ بكامل الاحتياطيات في مركز مالي واحد، مثل نيويورك أو لندن، قد يزيد من مستوى الانكشاف على منطقة جغرافية محددة.
ومن ثم فإن إعادة جزء من الذهب إلى الداخل مع الإبقاء على جزء آخر في المراكز المالية الكبرى يسهم في توزيع المخاطر.
ويلفت صليبي إلى وجود جانب آخر يتعلق بـالثقة والشفافية داخلياً؛ خصوصاً في دول مثل ألمانيا (التي تمتلك ثاني أكبر احتياطيات من الذهب في العالم) وهولندا، حيث توجد ضغوط سياسية وشعبية للتأكد من وجود الذهب فعلياً داخل البلاد أو في مواقع أقرب وأكثر سهولة في الوصول إليها.
ويوضح أن وظيفة الذهب نفسها شهدت تغيراً كبيراً مقارنة بفترة الحرب الباردة، إذ كان من المنطقي آنذاك الاحتفاظ بكميات كبيرة من الذهب بعيداً عن أوروبا الغربية أو بالقرب من الأسواق الأمريكية.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة وأصبحت للذهب وظيفة أكثر ارتباطًا بالسيادة والتحوط من المخاطر النظامية والجيوسياسية.
ويشير إلى أن هذا التوجه ليس جديداً، إذ شهدت السنوات الماضية خطوات مماثلة، معتبراً أن فرنسا تعد من أبرز الدول التي دفعت باتجاه الاحتفاظ بسيطرة أكبر على الذهب.
ويشدد صليبي على أن الرسالة الاقتصادية الأهم من هذه التحركات لا تتمثل في تخلي أوروبا عن الدولار، وإنما تعكس اتجاهاً أوسع لدى البنوك المركزية نحو التعامل مع الذهب باعتباره أصلاً استراتيجياً وسيادياً، وليس مجرد قرار لوجيستي يتعلق بمكان تخزين الاحتياطيات.
سببان رئيسيان
إلى ذلك، يقول محمد رجائي بركات، خبير الشؤون الأوروبية لـ«البيان»: إن هناك سببين رئيسيين وراء اتجاه بعض الدول الأوروبية إلى سحب أو بيع جزء من احتياطيات الذهب الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية.
السبب الأول يتمثل في اضطراب العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتراجع مستويات الثقة المتبادلة، ولا سيما منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مشيراً إلى أن التطورات السياسية والاقتصادية بين الجانبين دفعت بعض الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في مكان الاحتفاظ بجزء من احتياطياتها الذهبية.
أما السبب الثاني فيرتبط بقناعة متزايدة لدى بعض الدول الأوروبية بأن الولايات المتحدة لا تحترم القانون الدولي بالشكل الكافي، سواء فيما يتعلق بالقانون الدولي العام أو القواعد والقوانين الاقتصادية الدولية، وهو ما عزز مخاوف هذه الدول بشأن الاحتفاظ باحتياطياتها في الولايات المتحدة، وفق بركات.
ويشير إلى أن بعض الدول الأوروبية لجأت إلى سحب جزء من الذهب الموجود في الولايات المتحدة في الأسواق الأمريكية، ثم إعادة شراء كميات من الذهب في بورصة لندن، بما يسمح عملياً بسحب جزء من الاحتياطيات من النظام الأمريكي من دون الحاجة إلى نقل الذهب فعلياً في كل الحالات، في حين اتجهت دول أخرى إلى نقل جزء من احتياطياتها الذهبية إلى أراضيها.