هل فقدت البنوك الأوروبية الثقة في الخزائن الأمريكية؟

في خطوة تعكس تحولات عميقة في استراتيجيات إدارات الأصول السيادية العالمية، أعلن البنك المركزي الهولندي عن إتمام نقل 78 طناً مترياً من احتياطياته من الذهب، البالغة قيمتها نحو 11 مليار دولار، من الخزائن الممتدة تحت شوارع حي مانهاتن في نيويورك، إلى العاصمة البريطانية لندن.فيما نقلت فرنسا نحو 129 طناً لتنضم إلى ألمانيا التي نقلت من 111 طناً في نيويورك ليصبح الأجمالي المسحوب من المصارف الأمريكية من قبل 3 دول فقط (318) طناً.

وأوضح التقرير الذي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن العملية السرية استغرقت عدة أشهر، وتمت عبر آليات مدمجة، شملت بيع جزء من السبائك في الولايات المتحدة وإعادة شرائها في المملكة المتحدة، إلى جانب نقل كميات أخرى عبر عنابر الشحن الجوي تحت حراسة أمنية مشددة.

وتأتي هذه الخطوة الهيكلية، لترفع حصة الذهب الهولندي المخزن في لندن إلى نحو ثلث إجمالي الاحتياطي، بينما تراجعت الحصة المودعة في نيويورك إلى 19 %، في إعادة رسم حاسمة لجغرافية الأصول السيادية الخاصة بأحد أهم البنوك المركزية في أوروبا.

ورغم أن السلطات النقدية في أمستردام بررت هذا التحول برغبتها في «تحسين قدرتها على تسوية وتداول المعدن الأصفر بسرعة في أوقات الأزمات والاضطرابات الجيوسياسية»، فإن التحليل العميق لواقع إدارة أصول البنوك المركزية، يشير إلى أن الخطوة تجاوزت كونها مجرد إعادة ترتيب لوجستي عابر.

فالتحركات الهولندية تعيد إلى الأذهان سابقة البنك المركزي الألماني (بوبوندسبنك)، الذي خاض قبل سنوات عملية طويلة لإعادة مئات الأطنان من ذهبه المخزن في نيويورك وباريس إلى خزائنه في فرانكفورت.فنقل خلال عدة سنوات أكثر من 216 طناً كانت مودعة في الخارج  منها 111 طناً في نيويورك و105 أطنان في باريس.

فيما قامت  فرنسا بسحب ونقل كميات كبيرة من احتياطياتها من الذهب (مثل نحو 129 طناً) من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أراضيها في باريس.

وتثبت هذه الخطوات المتقاطعة أن قلق البنوك المركزية الغربية لم يعد يتصل فقط بالمخاطر الأمنية أو الحروب التقليدية، بل يمتد إلى التحوط ضد «تسييس النظام المالي العالمي»، والتخوف الضمني من فرض قيود أو عقوبات حظر تجمد الأصول، فضلاً عن السعي المستمر لتقليل الاعتماد المباشر على ولاية الفيدرالي الأمريكي، وسلطة القضاء الأمريكي، التي أصبحت تفرض محددات صارمة على تحركات الأصول السيادية العابرة للحدود.

إن الوجود المكثف للذهب في سوق لندن، يسهم في منح المصارف المركزية سيولة فورية، وقدرة أكبر على مبادلة وتسييل السبائك في سوق السبيكة الفيزيائية الأكبر عالمياً، بعيداً عن أية تعقيدات إدارية أو سياسية قد تحيط بالحسابات المودعة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

ووفق التقييمات الاقتصادية المتخصصة، فإن ما يجري يمثل تحولاً هيكلياً نحو نموذج «توزيع المخاطر واستعادة السيادة النقدية»، حيث ترى المؤسسات النقدية الأوروبية أن الاحتفاظ بجزء رئيس من الأصول في المظلة الأمريكية بات يحمل كلفة سياسية ومخاطر امتداد قانونية، لا يمكن التغاضي عنها في ظل حالة الاستقطاب الدولي المتصاعدة، وتصاعد لغة العقوبات الاقتصادية المتبادلة بين القوى الكبرى.

وقد تابعت الصحافة العالمية هذه التطورات بقدر كبير من الاهتمام والتحليل، إذ أشارت شبكة بلومبرغ في قراءتها لأزمات الذهب السيادي إلى أن تزايد اتجاه البنوك المركزية نحو سحب أصولها الذهبية من نيويورك، يعكس تراجع مستوى الثقة المطلقة في الحياد المالي للمؤسسات الأمريكية، لا سيما بعد تجميد الأصول الروسية، وتصاعد المخاطر القانونية المتصلة بإدارة الديون الحكومية.

ومن جانبها، أكدت صحيفة فايننشال تايمز أن قرار البنك المركزي الهولندي، يعبر عن قلق أوروبي صامت ومتزايد من إمكانية استخدام الأصول المالية كأدوات للضغط الجيوسياسي، ما يدفع الدول المتوسطة والكبرى إلى تفضيل المراكز المالية التي توفر مرونة أعلى في تسييل السبائك دون تدقيقات سياسية معقدة.

وفي السياق ذاته، أبرزت وكالة «رويترز» أن تحركات أمستردام وبرلين السابقة، ليست سوى جزء من ظاهرة عالمية، تشهد إعادة ترتيب جغرافية الاحتياطيات للتحوط ضد تقلبات النظام المالي القائم، مؤكدة أن سوق لندن باتت المستفيد الأكبر، كمركز محايد يضمن مرونة التداول الفيزيائي، والتحوط السريع خلال الأزمات الدولية الطارئة.