أفاد تقرير تحليلي صادر عن «بلومبرغ» بأن الاقتصاد العالمي يواجه مرحلة فارقة تتقاطع فيها الضغوط الجيوسياسية مع التحولات الهيكلية المتسارعة في قطاعي الطاقة والتكنولوجيا، حيث كشفت التغيرات الأخيرة في أسواق المعادن الحيوية والذهب عن اختناقات حادة في سلاسل الإمداد العالمية.
وأوضح التقرير أن التوسع القياسي في بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وشبكات الطاقة، إلى جانب زيادة إنتاج السيارات الكهربائية، أحدثا طفرة غير مسبوقة في الطلب على المعادن الأساسية مثل النحاس والليثيوم والفضة والذهب. وبيّنت المراجعات التحليلية أن قطاع التكنولوجيا وحده بات يستهلك حصصاً متزايدة من المعادن الثمينة والاستراتيجية، حيث أدى النمو المتسارع في التطبيقات الإلكترونية والبنية التحتية للحوسبة إلى الضغط على المعروض العالمي، في ظل تباطؤ مشروعات التعدين الجديدة التي تتطلب سنوات طويلة لتطويرها وفجوة استثمارية ضخمة تحتاج لمئات الملايين من الدولارات لسد النقص المتوقع في المعالجة والتكرير بحلول العقود المقبلة.
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية وتصاعد المخاطر المهددة لحركة الملاحة البحرية والتجارة عبر مضيق هرمز - المعبر الحيوي لشحنات النفط والغاز العالمية - أضافت بعداً جديداً من التعقيد لأسواق السلع الأساسية.
فقد أدت مخاوف تعطل إمدادات الطاقة وتصاعد تكاليف الشحن إلى موجات تضخمية جديدة وضغوط شديدة على معنويات المستثمرين، ما أعاد ترسيخ مكانة الذهب كأبرز «ملاذ آمن» ووسيلة للتحوط ضد مخاطر فقدان القوة الشرائية للعملات. ولفتت بلومبرغ إلى أن ارتفاع أسعار النفط الناجم عن توترات الممرات البحرية لم ينعكس فقط على كلفة الطاقة، بل رفع أيضاً تكاليف عمليات الاستخراج والتعدين للمعادن الاستراتيجية، ما يخلق ما يشبه «المأزق المزدوج» في أسواق الموارد المباشرة.
وقد وضع هذا التضافر بين اضطراب سلاسل توريد المعادن الحيوية وارتفاع أسعار الطاقة البنوك المركزية العالمية أمام اختبارات معقدة في إدارة السياسات النقدية؛ إذ تجد البنوك المركزية نفسها مجبرة على التوفيق بين مكافحة التضخم المستورد الناجم عن صدمات العرض والسلع، وبين حماية النمو الاقتصادي وضمان استقرار الأسواق المالية.
وأكد التقرير أن التوترات الهيكلية في الإمدادات الجيوسياسية دفعت العديد من البنوك المركزية إلى مواصلة تعزيز احتياطياتها الرسمية من الذهب الفيزيائي وتقليل الاعتماد على الأصول الورقية، في محاولة لتنويع المحافظ وحماية الأصول السيادية وسط بيئة مالية عالمية تتسم بالتقلبات الشديدة وارتفاع مخاطر التفكك التجاري.
