«فورد» تقترب من البنتاغون في ظل استنفار عسكري أمريكي


تشهد الساحة الصناعية الأمريكية تحولاً دراماتيكياً يعيد إلى الأذهان حقبة «ترسانة الديمقراطية» خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كشف جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لشركة فورد، عن دخول شركته في محادثات أولية مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتنفيذ مشاريع دفاعية كبرى. هذا التحرك لا يمثل مجرد تنويع في مصادر الدخل لعملاق صناعة السيارات، بل يعكس توجهاً استراتيجياً للبنتاغون لدمج القدرات التصنيعية التجارية في الآلة العسكرية الأمريكية لمواجهة استنزاف المخزونات وتزايد التوترات العالمية. بحسب وول ستريت جورنال وبلومبرغ.

يبدو أن شركة فورد تراقب عن كثب النجاحات التي حققتها منافستها التقليدية جنرال موتورز في اقتناص العقود الدفاعية، وتسعى حالياً لانتزاع حصة من هذا القطاع الحيوي. وخلال مكالمة الأرباح الأخيرة، أكد فارلي أن المشاورات مع الحكومة الأمريكية قد بدأت بالفعل، مشيراً إلى أن فورد ستلعب «دوراً ضخماً» في إعادة توطين سلاسل التوريد للمعادن الحيوية وأشباه الموصلات، وهي مكونات أساسية في التصنيع العسكري الحديث.

يأتي هذا التوجه في وقت يسعى فيه المسؤولون العسكريون الأمريكيون إلى كسب ود شركات السيارات الكبرى لكسر احتكار شركات المقاولات الدفاعية التقليدية مثل «لوكهيد مارتن» و«جنرال دايناميكس». ووفقاً لتقارير صحفية، فقد طُلب من فورد وجنرال موتورز الاستعداد للتحول «بسرعة» نحو الإنتاج الدفاعي عند الحاجة، مما يشير إلى أن الولايات المتحدة تتحرك نحو تعزيز قدراتها الصناعية العسكرية لمواجهة النقص الحاد في الذخائر والأسلحة الناتج عن النزاعات المستمرة في أوكرانيا والشرق الأوسط.

من فولكس فاجن إلى نيسان

لا يقتصر هذا التحول نحو الصناعات العسكرية على الشركات الأمريكية فحسب، بل يمتد ليشمل عمالقة الصناعة العالميين في مشهد يوحي بـ «عسكرة» قطاع السيارات العالمي. ففي ألمانيا، اتخذت مجموعة فولكس فاجن خطوة لافتة ببيع مصنعها في «أوسنابروك» لشركة متخصصة في صناعة قطع غيار نظام القبة الحديدية الإسرائيلي، وهو ما يضع منشآت الشركة الألمانية في قلب التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة.

وفي المقابل، تشهد شركات أخرى تحولات جذرية في خططها الإنتاجية للتكيف مع المناخ السياسي والاقتصادي الجديد؛ حيث تخلت شركة نيسان عن خطتها لإنتاج السيارات الكهربائية في ميسيسيبي، مفضلة العودة إلى إنتاج الشاحنات التي تعمل بالبنزين، وهو قطاع يحظى بدعم وتفضيل في ظل السياسات الاقتصادية الحالية. كما خفضت شركة ريفيان أهدافها الإنتاجية في جورجيا بعد تقلص القروض الفيدرالية بمليارات الدولارات، مما يعكس الضغوط المالية والتحولات في أولويات الإنفاق الحكومي.

البنتاغون وسد فجوة المخزونات

يثير تسارع وتيرة المحادثات بين البنتاغون وشركات مثل فورد وجي إي إيروسبيس تساؤلات جوهرية حول الحالة الراهنة للمخزونات العسكرية الأمريكية. وتشير تقارير إلى أن استنزاف الأسلحة والذخائر في جبهات القتال الدولية دفع الإدارة الأمريكية للبحث عن مصادر تصنيع «غير تقليدية» لإعادة بناء الترسانة الوطنية بسرعة وكفاءة.

إن انخراط سلسلة توريد فورد بشكل مكثف مع الشركات الجديدة الناشئة لتوطين القدرات التصنيعية يضع الشركة في قلب الأمن القومي الأمريكي. فالدور الذي قد تلعبه فورد في تأمين أشباه الموصلات والمواد الخام لا يقل أهمية عن بناء المركبات العسكرية نفسها، خاصة في ظل السباق التكنولوجي المحموم. هذا التحول من «صناعة السيارات» إلى «المساهمة في الدفاع» يمثل إعادة تعريف لهوية الشركات التجارية، حيث تصبح خطوط الإنتاج المدنية جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الردع العسكري.