تراقب الأسواق العالمية بحذر شديد حزمة من التطورات الاقتصادية والجيوسياسية المتلاحقة، والتي فرضت حالة من التوجس وإعادة تقييم المراكز المالية لدى المستثمرين.
يأتي على رأس هذه الأحداث اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يوم الأربعاء، يليه قرارا بنك إنجلترا وبنك اليابان، عن درجات متفاوتة من التأهب تجاه احتمال تصاعد التضخم المدفوع بأسعار الطاقة، وهي محطات مفصلية تنتظرها الأسواق لاستشفاف الملامح المقبلة للسياسات النقدية العالمية ومدى استجابة البنوك المركزية للمتغيرات الراهنة.
تتزامن هذه الاجتماعات مع عودة ملف حرب إيران إلى الواجهة بقوة، في ظل تجدد الحرب واشتعال المخاوف الجيوسياسية، وهو ما ألقى بظلاله المباشرة على أسواق الطاقة؛ إذ عادت الأسعار للارتفاع بعدما انخفضت إلى مستويات ما قبل الحرب بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.
يضع هذا المشهد المعقد صناع السياسة النقدية أمام اختبار حقيقي لموازنة كفتي النمو الاقتصادي وضغوط التضخم المحتملة الناجمة عن تقلبات أسعار الطاقة، ما جعل المستثمرين يعيدون حساباتهم بناءً على هذه المعطيات المتشابكة.
وفي ظل هذا المشهد الضبابي، تشير أغلب التوقعات والتحليلات الراهنة إلى أن البنوك المركزية الكبرى قد تتخذ مساراً يصب في اتجاه الانتظار والتقييم قبل الإقدام على أي خطوة استراتيجية جديدة.
ويبدو أن التوجه العام يميل إلى التريث ومتابعة البيانات الاقتصادية الحديثة الصادرة تباعاً، لضمان القراءة الدقيقة لمعدلات التضخم والتوظيف ونمو الأسواق، ما يجعل الأسواق في حالة ترقب مستمر لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من مؤشرات رقمية وتصريحات رسمية.
الانتظار والترقب
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق لـ «البيان» إن المرحلة الحالية تتسم بسياسة «الانتظار والترقب» لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مع ميلٍ للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في الوقت الراهن؛ في ظل حالة عدم اليقين التي تفرضها التطورات الاقتصادية والجيوسياسية.
وفي الولايات المتحدة، رفعت الأسواق احتمالات اتخاذ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خطوات أكثر تشدداً، إلا أن بيانات التضخم الأخيرة وأرقام سوق العمل دفعت إلى إعادة تقييم هذه التوقعات، ما عزز بدوره نهج الانتظار قبل اتخاذ أي قرار جديد بشأن أسعار الفائدة.
ويلفت يرق إلى أن مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة سيبقى مرتبطاً بشكل وثيق بالتطورات الجيوسياسية، ولا سيما انعكاساتها على أسعار النفط. فاستمرار التوترات قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً، الأمر الذي سيشكل ضغوطاً إضافية على معدلات التضخم ويؤثر في وتيرة النمو الاقتصادي، وهو ما سيضع البنوك المركزية أمام تحديات أكبر في رسم سياساتها.
وكانت أسعار النفط قد عادت إلى مستويات ما قبل حرب إيران بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، غير أنها وجدت طريقها للصعود بعد سلسلة من التطورات، في ظل مواصلة إيران أعمالها العدائية، ومع استئناف الولايات المتحدة ضرباتها داخل إيران.
ويشدد يرق على أن البنوك المركزية كانت قد تنفست الصعداء عقب الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن تجدد التوترات أعاد المخاوف إلى الأسواق. ورغم ذلك، فإنه يتوقع أنه مع تراجع حدة الصراع خلال الفترة المقبلة، قد تشهد أسعار النفط انخفاضاً تدريجياً، ما يخفف الضغوط التضخمية.
وفيما يتعلق بالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، يؤكد يرق أن السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً هو استمرار التريث، مشيراً إلى أن احتمالات تعديل أسعار الفائدة في الاجتماعات المقبلة أصبحت أقل مما كانت عليه سابقاً. ويضيف أن بيانات التضخم وسوق العمل خلال الأشهر المقبلة ستكون العامل الحاسم في تحديد توجهات الفيدرالي الأمريكي بشأن السياسة النقدية.
يُسعّر المتداولون احتمالاً بنسبة 73% لرفع أسعار الفائدة في شهر ديسمبر، وذلك وفقاً لأداة «CME FedWatch»، في الوقت الذي ترتكز فيه معظم التوقعات على إبقاء معدلات الفائدة دون تغيير في اجتماع يوليو المرتقب.
البيانات الأمريكية
وانخفض مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 0.4% في يونيو، وهو أكبر انخفاض شهري له منذ أبريل 2020. وبذلك وصل المعدل السنوي إلى 3.5%، وهو أقل من متوسط توقعات الاقتصاديين لمؤشر داو جونز البالغ 3.8%. وباستثناء الغذاء والطاقة، ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الأساسي بنسبة 0.2%، مقابل توقعات بزيادة قدرها 0.3%.
وفيما يخص بيانات سوق العمل، ارتفعت الوظائف غير الزراعية في يونيو بمقدار 57 ألف وظيفة، وهو معدل أبطأ من الرقم المعدل بالخفض البالغ 129 ألف وظيفة الذي أضيف في مايو، وأسوأ من توقعات داو جونز البالغة 115 ألف وظيفة. وانخفض معدل البطالة إلى 4.2%.
لهجة تشددية
يتفق كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، مع وجهة نظر يرق، ويقول لـ «البيان»، ويوضح أن الهاجس الأكبر لدى البنوك المركزية العالمية في المرحلة الحالية يتمثل في كبح التضخم، مشيراً إلى أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة أسهمت في رفع أسعار النفط بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الماضية، الأمر الذي يزيد من الضغوط التضخمية ويعزز تمسك صناع السياسة النقدية بنهجهم المتشدد.
ويضيف أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على مستويات التضخم، وهو ما سيبقي لهجة الاحتياطي الفيدرالي حذرة ومتشددة خلال الفترة المقبلة. ويشير صليبي إلى أن السياسة النقدية الهادفة إلى احتواء التضخم ستظل مستقرة في الوقت الراهن، مع الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، إلا أن استمرار التوترات الجيوسياسية وتصاعد الضغوط التضخمية قد يدفع البنوك المركزية إلى التفكير في بدء دورة جديدة من تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة خلال الفترات المقبلة إذا استدعت الظروف ذلك.
