لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل سؤالاً مستقبلياً. فمنذ بداية 2026، بدأت الأرقام الأميركية تظهر بوضوح أن التقنية الجديدة دخلت سجلات التوظيف والتسريح معاً: فهي تخلق طلباً واسعاً على مهارات جديدة، لكنها في الوقت نفسه تتحول إلى سبب معلن في قرارات خفض العمالة، خصوصاً داخل قطاعات التكنولوجيا والخدمات المكتبية والوظائف المعرفية القابلة للأتمتة.
في الولايات المتحدة، تكشف بيانات CompTIA أن سوق العمل كان يضم في يناير 2026 نحو 275,000 إعلان وظيفة نشط يطلب مهارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. هذا الرقم لا يعني بالضرورة أن كل هذه الوظائف «جديدة» بالكامل، لكنه يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح مهارة مركزية في التوظيف، وأن الشركات لم تعد تبحث فقط عن مبرمجين أو محللي بيانات بالمعنى التقليدي، بل عن عاملين قادرين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل وظائف متعددة.
في المقابل، يظهر الوجه الآخر للتقنية في بيانات التسريح. ونُسبت 87,714 حالة تسريح في الولايات المتحدة إلى الذكاء الاصطناعي منذ بداية 2026 حتى مايو، بينها 38,579 حالة في مايو وحده. وبذلك أصبح الذكاء الاصطناعي من أبرز الأسباب التي تذكرها الشركات عند إعلان خفض الوظائف، متقدماً على أسباب أخرى مثل ظروف السوق وإعادة الهيكلة في بعض الأشهر.
لكن الرقم الأوسع لا يتعلق بما جرى شطبه فعلاً، بل بما يمكن أن يتأثر خلال السنوات المقبلة. يقدّر مؤشر American AI Jobs Risk Index أن نحو 9.3 مليون وظيفة أميركية معرضة لخطر الإزاحة بفعل الذكاء الاصطناعي خلال 2 إلى 5 سنوات، مع نطاق محتمل يتراوح بين 2.7 مليون في السيناريو المحافظ و19.5 مليون في سيناريو التبني السريع.
أما في أوروبا، فالصورة أكثر تعقيداً. لا توجد حصيلة أوروبية موحدة تقول كم وظيفة شُطبت فعلياً بسبب الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات، لكن توجد مؤشرات قوية على الاتجاهين: توسع في الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي، وفي المقابل ارتفاع في التعرض البنيوي للوظائف القابلة للأتمتة.
على جانب الطلب، تشير بيانات إعلانات الوظائف الأوروبية إلى أن أربع دول فقط — ألمانيا وفرنسا وبولندا وإيطاليا — سجلت في 2025 نحو 238,000 إعلان وظيفة مرتبطاً بمهارات الذكاء الاصطناعي. فقد بلغت الإعلانات في ألمانيا نحو 76,000، وفي فرنسا أكثر من 60,000، وفي بولندا 56,000، وفي إيطاليا نحو 46,000.
على الجانب السلبي، يبرز القطاع المصرفي باعتباره أحد أوضح القطاعات الأوروبية المعرضة لضغط الذكاء الاصطناعي. ووفق تقديرات Morgan Stanley، قد تكون نحو 400,000 وظيفة مصرفية أوروبية مهددة حتى 2030 تقريباً، مع توسع البنوك في استخدام الذكاء الاصطناعي في أعمال المكاتب الخلفية والامتثال والمخاطر وخدمة العملاء.
أما الرقم الأوروبي الأوسع فهو تقديري وبنيوي: أشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن نحو 25% من الوظائف الأوروبية عالية التعرّض للذكاء الاصطناعي. وبالاستناد إلى بيانات يوروستات التي تقدر عدد المشتغلين في الاتحاد الأوروبي بنحو 198.1 مليون شخص في الربع الرابع من 2025، فإن ذلك يعني أن قرابة 50 مليون وظيفة أوروبية تقع ضمن دائرة التعرض العالي لتأثيرات الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي لا يتحرك في اتجاه واحد. في أميركا، يوجد في يناير 2026 نحو 275,000 إعلان وظيفة يطلب مهارات AI، مقابل نحو 88,000 حالة تسريح منسوبة إليه حتى مايو، مع 9.3 مليون وظيفة معرضة للإزاحة خلال 2 إلى 5 سنوات. وفي الاتحاد الأوروبي، توجد 238,000 وظيفة معلنة مرتبطة بمهارات AI في 4 دول أوروبية خلال 2025، مقابل 400,000 وظيفة مصرفية مهددة حتى 2030، ونحو 50 مليون وظيفة عالية التعرّض لتأثيرات التقنية.
بذلك، لا تبدو المعادلة ببساطة أن الذكاء الاصطناعي «يشطب الوظائف» أو «يخلق الوظائف». فهو يعيد توزيع العمل: يشطب بعض المهام والوظائف، ويفتح وظائف جديدة لمن يمتلكون مهارات التعامل معه.
