خطط الاتحاد الأوروبي لإلغاء القيود الرقمية تثير مخاوف بشأن الخصوصية وحماية المستهلك

كشفت المفوضية الأوروبية النقاب أخيراً عن مقترح يحمل اسم «الحزمة الرقمية الشاملة»، تضع فيه تصوراً لخطط واسعة النطاق لتبسيط بعض لوائح الاتحاد الأوروبي الرقمية، وسط ضغوط من الدول الأعضاء وشركات التكنولوجيا العملاقة.

وتبنى المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الثلاثاء الماضي، مطالب قطاع التكنولوجيا خلال قمة «السيادة الرقمية الأوروبية» التي عقدت في برلين، ودعا الزعميان إلى تخفيف صرامة اللوائح الرقمية الأوروبية.
كما دعت وزيرة التحول الرقمي في سلوفينيا، كسينيا كلامفر، أوروبا، خلال القمة، إلى تعزيز تطوير الحلول الرقمية الخاصة لديها، وقالت: «لن نحقق السيادة الرقمية الحقيقية إلا من خلال معايير واضحة، واستثمارات ذكية، وحماية فعالة للمواطنين».
وتتضمن الحزمة تعديلات على القوانين الرقمية القائمة، وتركز بشكل خاص على التشريعات المتعلقة بحماية البيانات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.

وقالت الفنلندية هنا فيركونن، نائبة رئيسة المفوضية والمسؤولة عن الشؤون الرقمية، في مؤتمر صحفي: «لا يجب أن تشكل القواعد لدينا عبئاً، بل قيمة مضافة. ولتحقيق ذلك نحن بحاجة إلى خطوات عاجلة للتخلص من الفوضى التنظيمية».

وقال مفوض الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس: «عبر تبسيط القواعد وخفض الأعباء الإدارية وتقديم قواعد أكثر مرونة وتناسباً، سوف نواصل الإيفاء بالتزامنا بمنح الشركات الأوروبية مساحة أكبر للابتكار والنمو، وسد فجوة الابتكار وتقليص الروتين البيروقراطي محركان أساسيان لتحفيز الإنتاجية في الاتحاد الأوروبي».

ورحب وزير الصناعة والتجارة التشيكي، المنتهية ولايته، لوكاش فلتشيك، بمقترحات المفوضية، وأشاد بأن الجهود طويلة الأمد لوزارته من أجل تبسيط التشريعات الرقمية انعكست في إجراءات ملموسة، تسهل ممارسة الأعمال وتدعم الابتكار وتعزز تنافسية الشركات التشيكية.
وقالت عضو البرلمان الأوروبي البلغارية إيفا مايدل، نائبة المتحدثة باسم مجموعة «حزب الشعب الأوروبي» أمام لجنة الصناعة بالبرلمان: «لا يمكن لأوروبا أن تتحمل دليلاً للقواعد الرقمية يستنزف الوقت والموهبة والفرص. تشكل الحزمة الرقمية الشاملة فرصة كي تعمل القوانين كأحجية مترابطة: فعالة ومتسقة ومرنة».
ولكن مقترح المفوضية أثار أيضاً انتقادات من نشطاء حماية البيانات، وحماية المستهلكين.
ويتعين على المفوضية الآن مناقشة مقترحها مع البرلمان الأوروبي، والمجلس الأوروبي.
عدد أقل من ملفات تعريف الارتباط... وسيطرة أقل!
وفي مجال حماية البيانات تقترح المفوضية تعديلات على «اللائحة العامة لحماية البيانات» (جي دي بي آر)، المعمول بها منذ عام 2018، والتي تمثل قانون للاتحاد الأوروبي الذي ينظم كيفية جمع المؤسسات للبيانات الشخصية واستخدامها.
ويهدف مقترح المفوضية إلى تحديث قواعد ملفات تعريف الارتباط - ملفات بيانات صغيرة ينشئها خادم الويب أثناء تصفح المستخدم لموقع ما، ويتم تخزينها على جهازه - بهدف تحسين تجربة المستخدم على الإنترنت.

وتلزم اللائحة العامة لحماية البيانات مشغلي المتاجر الإلكترونية، أو المنصات الرقمية، بالحصول على موافقة المستخدمين قبل معالجة بياناتهم الشخصية، ما يؤدي إلى ظهور لافتات الموافقة على ملفات الارتباط في العديد من المواقع.

وبحسب الخطط الجديدة للمفوضية يجب أن تظهر هذه اللافتات بشكل أقل أثناء التصفح، مع إعفاء بعض الأنشطة من شرط الموافقة، كما يجب أن يتمكن المستخدم، بنقرة واحدة، من تقديم موافقته وحفظ إعداداته عبر تفضيلات مركزية في المتصفح وأنظمة التشغيل.
ويحذر المدافعون عن حماية البيانات وحماية المستهلكين من أن تخفيف هذه القواعد قد يبدو استجابة لضغوط جماعات الضغط في مجال التكنولوجيا.

وحذر أكثر من 120 منظمة مجتمع مدني وحقوقية في رسالة مفتوحة من إضعاف حقوق المواطنين، قائلة: «ما لم تغير المفوضية الأوروبية مسارها، فسيكون ذلك أكبر تراجع عن الحقوق الرقمية الأساسية في تاريخ الاتحاد الأوروبي».
وأضافت الرسالة أن القواعد الرقمية الأوروبية تشكل خط الدفاع الأهم ضد الاستغلال الرقمي والمراقبة من جهات محلية وأجنبية.
ووصف الناشط النمساوي في مجال حماية البيانات، ماكس شرمز، مقترح المفوضية بأنه «أكبر هجوم على الحقوق الرقمية للأوروبيين منذ سنوات».
تأجيل التطبيق الكامل لقانون الذكاء الاصطناعي
كما تؤثر مقترحات المفوضية الأوروبية على قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي لم يطبق بشكل كامل بعد.
ودخل القانون حيز التنفيذ في أغسطس عام 2024، ومن المقرر تطبيقه بشكل كامل في أغسطس عام 2026.

ويضع القانون التزامات صارمة للشركات التي تقدم أدوات ذكاء اصطناعي «تشات جي بي تي» و«جيميني»، وغيرها، خاصة فيما يتعلق بتدريب النماذج.

ولكن المفوضية تريد الآن منح القطاع مهلة حتى نهاية 2027 للامتثال لمتطلبات الأنظمة عالية الخطورة - أي تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تؤثر في مجالات حساسة مثل الأمن والصحة والحقوق الأساسية.
وسوف تستفيد الشركات الصغيرة أيضاً في مجال الذكاء الاصطناعي من قواعد مبسطة فيما يتعلق بالوثائق التقنية.

وتقدم المفوضية كذلك أساساً قانونياً جديداً يسمح باستخدام البيانات الشخصية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي عبر مبرر «المصلحة المشروعة»، ما يسمح للشركات بتغذية نماذجها ببيانات المستخدمين أثناء مراحل التدريب والاختبار، دون الحصول على موافقة صريحة، شرط عدم تجاوز «مصالح أو حقوق وحريات المستخدمين الأساسية».
وتقول المنظمات المعنية بالحقوق الرقمية إن ذلك يمثل «ارتداداً خطيراً على الخصوصية»، يخدم مصالح عمالقة التكنولوجيا أكثر من مصالح الاتحاد الأوروبي.
وحذر النائب الإيطالي براندو بنيفي، من كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين بالبرلمان الأوروبي، ومقرر قانون الذكاء الاصطناعي بالمجلس- من أن بعض التعديلات المقترحة قد تشكل «خدمة ضخمة لكبرى شركات التكنولوجيا».
لطالما أعربت شركات التكنولوجيا، منذ انتشار الذكاء الاصطناعي، عن أن اللوائح الأوروبية «مفرطة في قيودها».
ولكن المفوضة فيركونن شددت بالقول: «التبسيط لا يعني تخفيف الضمانات لدينا. نحن متمسكون بمعاييرنا العالية للخصوصية والإنصاف والأمن».

فصول جديدة في صراع الاتحاد الأوروبي مع عمالقة التكنولوجيا
وفي إطار مواجهة مستمرة مع بروكسل، تراقب شركات التكنولوجيا العملاقة- ومنها جوجل وميتا (الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام وواتساب)، ومنصة تيك توك الصينية - تحركات الاتحاد الأوروبي عن كثب.
وكانت هذه الشركات اتهمت القواعد الأوروبية في السابق بأنها متناقضة، ومناهضة للمنافسة، وتعرض بعضها لغرامات ضخمة بسبب عدم الامتثال للوائح الرقمية.
واتهم المفوض الأوروبي السابق للسوق الداخلية، تييري بريتون- مهندس قانون الذكاء الاصطناعي- واشنطن بالوقوف وراء محاولات «تفكيك» القوانين الرقمية الأوروبية، وأكد: «لا يجب علينا أن نتسم بالسذاجة».

وفي أكتوبر، خلصت المفوضية الأوروبية، بشكل مبدئي، إلى انتهاك منصات ميتا وتيك توك، للالتزامات الخاصة بالشفافية بموجب قانون الخدمات الرقمية، وهو قانون الإشراف على المحتوى الذي هاجمته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً وتكراراً.
ويهدف القانون إلى تنظيم عمل المنصات عبر الإنترنت وتعزيز سلامة مستخدمي الإنترنت داخل الاتحاد الأوروبي، وأيضاً إلى توفير المزيد من الحماية ضد المحتوى غير القانوني والانتهاكات من قبل الشركات الكبرى، إضافة إلى تعزيز الشفافية في تشغيل الخوارزميات وآليات الإشراف على المحتوى.
وفي أبريل الماضي فرضت المفوضية الأوروبية غرامة قدرها 500 مليون يورو على أبل، بسبب عدم إبلاغ المستخدمين وتوجيههم نحو خيارات بديلة خارج متجر التطبيقات.

وفي الوقت نفسه غرمت المفوضية ميتا 500 مليون يورو بسبب نموذجها الإعلاني «الموافقة أو الدفع»، وجرى فرض الغرامتين بموجب قانون الأسواق الرقمية الأوروبي، والذي يهدف إلى خلق سوق رقمية أكثر عدلاً وتنافسية.
كما فرضت بروكسل غرامات عديدة على جوجل خلال السنوات الأخيرة بموجب قوانين مكافحة الاحتكار، حيث غرمت الشركة 4.1 مليارات يورو في 2018 لإساءة استغلال هيمنة نظام أندرويد، و2.4 مليار يورو في 2017 بسبب ممارسات مناهضة للمنافسة في سوق مقارنة الأسعار.
وفي سبتمبر الماضي فرضت المفوضية الأوروبية غرامة جديدة بقيمة 2.95 مليار يورو على جوجل بسبب تفضيل خدماتها الخاصة، ومنحت الشركة 60 يوماً لمعالجة المخاوف ذات الصلة.
ولا تبيع جوجل الإعلانات على منصاتها فحسب، بل تعمل أيضاً كوسيط للشركات التي تريد عرض إعلاناتها على مواقع وتطبيقات أخرى في الهواتف والحواسيب - وهو ما جعل المنافسة أصعب، بحسب المفوضية.

وقالت جوجل إن خطتها تشمل تغييرات فورية مثل منح الناشرين خيار تحديد حد أدنى مختلف للأسعار للمزايدين عند استخدام أداة «جوجل أد مانجر» كما أعلنت زيادة التوافق التشغيلي لأدواتها لمعالجة مخاوف التضارب في المصالح.

وأثار الحكم غضب ترامب، الذي هدد بفرض رسوم جديدة على الاتحاد الأوروبي إذا تم تأكيد الغرامة. وقالت جوجل إنها ستستأنف ضد الغرامة. ولطالما هدد ترامب بفرض رسوم على دول تضع لوائح «تضر» بالتكنولوجيا الأمريكية.
وقد تحدد الشهور المقبلة مسار التنظيم الرقمي الأوروبي، لتكشف ما إذا كان سعي أوروبا نحو التبسيط سيعزز سيادتها الرقمية، أو يشعل التوترات مع عمالقة التكنولوجيا العالميين، أو يرضخ للضغوط الأمريكية.