دخلت آسيا مرحلة التغييرات السريعة. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تنامي النفوذ الصيني الذي خرج عن نطاق السياسة الإقليمية وأصبحت الصين بذلك لاعبا مؤثرا على الساحة الدولية. كان السياسي الصيني دينغ سياو بينغ يوصي بأن تبقى الصين على مدى سنوات، بل عقود لاعبا غير ملحوظ لا يلفت الأنظار.

وعلى الصعيد الرسمي لا يزال هذا التوجه قائما، إذ ان المسؤولين الصينيين كثيرا ما يتحدثون عن بلادهم باعتبارها قوة نامية تحتاج إلى سنوات عديدة لحل مشاكلها الداخلية، وينفون تماما أية تطلعات عالمية. حتى إذا كان ذلك حقيقة، فإن النوايا لم تعد لها أهمية على خلفية النفوذ الذي قد حققته الصين.

تعد الصين أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان، ويفوق معدل النمو الاقتصادي 10% سنويا، وتبلغ احتياطاتها من الذهب والعملات الصعبة تريليوني دولار، كما أن لها استثمارات في كل أنحاء العالم ونفقاتها في ازدياد مستمر.

إن كل هذه الوقائع في حد ذاتها ستغير المنظومة الدولية بأكملها. ولم تعد لدى الصين فرصة للاختباء وراء أحد، إذ ان الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا منذ تفككه، واقتربت الصين من الولايات المتحدة من حيث بعض المعايير. يعني ذلك أن الاهتمام ببكين سيكون في ازدياد مستمر، في الوقت الذي يتحول فيه القطب السياسي للعالم إلى منطقة آسيا- المحيط الهادئ. وبالتالي فإن قيمة الرهان في اللعبة الآسيوية في ازدياد.

قد يبدو ذلك غريبا، ولكن اليابان وروسيا لم تضعا في هذه الأثناء إستراتيجية مدققة ولم تدركا المكانة التي ينبغي عليهما شغلها في السنوات والعقود المقبلة. كانت اليابان في الثمانينات من القرن الماضي تعتبر قوة اقتصادية كبرى ستبدأ بتحويل إمكانياتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي.

ولكن ذلك لم يحدث نظرا لفترة التراجع التي تعيشها البلاد منذ بداية التسعينات. ولكن طوكيو لم تتمكن من التأقلم في الوضع الجديد، نظرا لظهور العامل الصيني في الحسابات الإستراتيجية الأميركية في نهاية التسعينات.ثارت الأزمة المالية العالمية شكوكا حول متانة المواقف الأميركية مقابل الشعور بتعزيز مكانة الصين.

ونتيجة لذلك جاءت محاولة حكومة يوكيو هاتوياما الذي تولى زمام السلطة في خريف 2009 لإضعاف النفوذ الأميركي بعض الشيء والتركيز على انتهاج سياسة إقليمية مستقلة وشعرت الصين بارتباك في السياسة اليابانية، لتزداد ضغوطها السياسية والاقتصادية.

ووسط كل تلك التطورات يتعين على موسكو وطوكيو إدراك مدى التغييرات التي تحدث حولهما وأنهما تلعبان في الوقت الحالي أدورا ثانوية في اللعبة الآسيوية الكبرى.

رئيس تحرير مجلة «روسيا في السياسة العالمية»