هنا مكان، ينبض بالتاريخ والحكايات التي لا تنتهي منذ أكثر من 1800 عام قبل الميلاد، عندما شاءت القدرة الإلهية أن تحول سيدوم إلى عبرة لمن يخالف شريعته ويطغى في الأرض، فكان عاقبة من ارتكب المعصية قاعا سحيقا لا يعرف له قرار رغم الدراسات الجيولوجية التي أجريت على المكان لمعرفة ما حدث من انقلاب كوني جعل عالي المدينة سافلها فذهبت قصة القوم مثالا يروى على مر التاريخ الإنساني وتتواصل حتى قيام الساعة.
لم يكن في خاطري العودة إلى منطقة البحر الميت فقد مضى أكثر من عشر سنوات على ذلك اليوم الذي كنت فيه هنا برفقة صديقي الراحل الحاضر طارق أيوب، وللأمانة عندما تسلمت الدعوة للمشاركة في مناسبة يحتضنها المكان ترددت كثيرا ولكن في النهاية قررت المجيء، فلا ضير من تجديد الموعظة والعبرة، وذكريات حلوة مرة.
ما هو الشعور الذي يمكن أن يتملك المرء في مكان كل شي فيه، يذكره بأشياء ما زالت محفورة في ذلك الجزء العميق من الذاكرة غير القابل للمحو أو النسيان بالتقادم؟.. في البحر ذاته قصة وعبرة لا يمكن أن يغفلها العقل وعلى الضفة الأخرى منه بشر، قابضون على الجمر يكابدون العدو منذ 6 عقود، بعزيمة لا تلين وهمة لا تفتر لاستعادة الحق المغتصب.
أتأمل البحر الذي لا يعكس هدوءه في هذه اللحظات ما كان عليه الحال عندما جاء البلاغ الإلهي في خاتمة القوم الذين استقروا في قعره، ومن خلفي المهاجرون والأنصار الذي يواجهون شظف العيش ونكد الحياة بصلابة الجبال، لكنهم صامدون ومدركون أن المنعة والقوة التي الفت بين قلوبهم قبل عقولهم في ارض الحشد والرباط هي القوة الضاربة لرد كيد من يتربصون بهم، ومواجهة من لا زال لعاب صقورهم الجارحة يسيل على الحدود للانقضاض على ما تبقى من حلم حفرها في أذهانهم من حرفوا كلام الله لخدمة حركتهم الصهيونية.
ذات يوم مر عليه أكثر من عقد، كدت اغرق هنا، عندها وجدت نفسي اطلق صرخات الاستغاثة، فهب طارق ايوب لنجدتي واعادتي الى الشاطئ، وقد ارتسمت الضحكة على شفتيه... أتذكر ذلك كله كأنه حدث بالأمس، تماما، كما اذكر اليوم الذي استشهد فيه بصاروخ من طائرة اميركية وهو ينقل للعالم الهجوم على بغداد.
ستمضي سنوات وسنوات يا صديقي ولن تستطيع الذاكرة استيعاب رحيلك وانك لن تعود، فما خلفته من عمل طيب جعل ممن اسرتهم في صحبتك متشبثين في الدفاع عنك ضد النسيان.
أتوجه نحو القبلة ومن خلفي البحر واسجد داعيا الحق ان يرحمك ويتقبلك مع الشهداء والصديقين، وان يجنبنا ما حل بالقوم من عذاب، وان يجنبنا ما يمارس من انحراف فكري هذه الأيام، يضاهي ما اقترفه هؤلاء القوم من معصية استوجبت غضب الله.
احمل سجادتي وذكراك على كتفي عائدا من حيث أتيت، إلى حيث ثمن دفء الشمس ضربة شمس، وفي كل خطوة اسمع صوتك يلاحقني قائلا: لا تحرن، قد يتأخر الربيع يا صديقي، لكنه من المستحيل أن يغيب، وفي نهاية حقول الأشواك حدائق ممتلئة بالورد والحب.